صباح الثلاثاء، تحت سقف الأمم المتحدة، وصفت الملكة رانيا أطفالاً فلسطينيين معصوبي الأعين.
وفي القاعة التي وصفتهم فيها، كانت كل عين مفتوحة تماماً.
حضر الحوار، الذي حمل عنوان الطفولة في الاحتجاز، ونظمته منظمة إنقاذ الطفل. رعته خمس دول بينها الأردن.
وعلى الطابق نفسه تقريباً، كان الملك عبدالله الثاني قد تحدث في الصباح عن عين أخرى.
عين العالم.
ضاقت هذه العين حتى صارت لا تثبت على مشهد أكثر من سبع وأربعين ثانية، كما قال الملك من المنبر نفسه.
وصفت الملكة ما يجري بجملة تشبه قائمة إجراءات: يُقتاد الطفل من بيته في منتصف الليل. لا يعرف إلى أين. ولا لماذا. معصوب العينين. مكبل اليدين.
والعصابة هنا ليست تفصيلاً عابراً.
وثّقت منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية أن ما بين أربعة وثمانين وثمانية وثمانين بالمئة من الأطفال الذين وثّقت شهاداتهم عُصبت أعينهم أثناء الاعتقال!
وفي كلمته، لم يتحدث الملك عن عصابة حرفية. تحدث عن عصابة أخرى، يضعها العالم على عينه بنفسه.
انتباه تراجع من دقيقتين ونصف عام 2004، إلى سبع وأربعين ثانية اليوم.
ووصف الملك الانتباه نفسه بأنه مورد جيوسياسي، يقرر أي أزمة تنال جهداً دبلوماسياً حقيقياً، وأيها تُترك في العتمة.
وحذّر من أن العالم يملك أدوات فعلية: عقوبات، وتجميد أصول، وحظر، وعزل دبلوماسي. استخدمها من قبل ضد جهات أخرى دون تردد.
وذكّر بمبادرة السلام العربية، المطروحة على إسرائيل منذ عام 2002، مقابل التطبيع مع سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية. ظلت على الطاولة أكثر من عشرين عاماً دون رد.
حتى المستشفى الميداني الأردني نفسه لم يسلم من الاستهداف.
لكن القرارات، حين يتعلق الأمر بإسرائيل تحديداً، تبقى حبراً على ورق.
والقاعة التي استمعت إلى الملكة بعد ساعات، تعرف الأداة المقابلة تماماً: رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز، وضمانات محاكمة عادلة، ومساءلة عن الانتهاكات.
أدوات موجودة هي الأخرى.
ولم تُفعَّل بعد.
وكشف استبيان أجرته منظمة إنقاذ الطفل على أطفال أفرج عنهم أن ثلثيهم عُزلوا مددا بلغت في أقصاها خمسة وأربعين يوماً.
أي اثنين وثمانين ألف ضعف من زمن الشاشة الذي وصفه الملك!
فكل ثانية ينظر فيها العالم بعيداً، يقابلها للطفل المحتجز نحو ثلاث وعشرين ساعة كاملة في العزل!
تسعة وتسعون من كل مئة تعرضوا لاعتداء جسدي. واثنان وثمانون بالمئة جُردوا قسراً من ملابسهم.
ونصفهم أو أكثر شهدوا عنفاً جنسياً أو عاشوه. وخمسة وأربعون بالمئة بقوا خارج مقاعد الدراسة بعد الإفراج.
وفي نهاية العام الماضي، كان في السجون الإسرائيلية ثلاثمئة وواحد وخمسون طفلاً فلسطينياً، بحسب أرقام مصلحة السجون التي استشهدت بها إنقاذ الطفل.
مئة وثمانون منهم، أكثر من النصف، بلا تهمة!
ثم روت الملكة قصة فتى في السابعة عشرة. وصفته عائلته بأنه سليم الجسد.
اقتحم الجنود بيته عند الثالثة والنصف فجراً، بحسب والده. وبقي نحو ستة أشهر في الاحتجاز بلا تهمة معلنة، حتى مات في آذار 2025.
وحضر التشريح، بطلب من الأسرة، طبيب إسرائيلي، ورأى أن التجويع مرجّح سبباً رئيسياً للوفاة.
وكتب قاض إسرائيلي أن أثر الجوع عليه ظاهر، وأن إخفاءه غير جائز.
ثم أغلق التحقيق، لأن سبب الوفاة، كما قيل، لم يثبت رسمياً.
إجراء يعترف بالجوع، ثم يطوي الملف.
وبعد أكثر من سنة ونصف، ظل جثمانه محتجزاً. وتطالب أسرته المحاكم الإسرائيلية بإعادته.
ستة أشهر أمضاها الفتى حياً في الاحتجاز.
وأكثر من ثمانية عشر شهراً يمضيها جثمانه رهينة بعد موته.
ثلاثة أضعاف المدة نفسها!
وتنفي السلطات الإسرائيلية اتهامات الإساءة، وترى أن ما تفعله يوافق القانون الدولي، بحسب ما نقلته قناة العربية.
وربطت الملكة هذا كله بمنظومة سياسية وقانونية وأمنية واحدة، لا حوادث فردية متفرقة.
وتبقى إسرائيل، بحسب إنقاذ الطفل، الدولة الوحيدة في العالم التي تحاكم أطفالاً أمام محاكم عسكرية بصورة منهجية. وأكثر التهم شيوعاً رشق الحجارة، وعقوبتها قد تبلغ عشرين عاماً.
وقال رئيس وزراء إيرلندا، في الحوار نفسه، إن الاحتجاز العسكري للأطفال لا يمكن أن يكون له تبرير.
والمعرفة هنا ليست جديدة.
قبل ثلاثة عشر عاماً، وصفت اليونيسف، وهي جزء من الأمم المتحدة نفسها، إساءة معاملة الأطفال الفلسطينيين داخل نظام الاحتجاز العسكري بأنها تبدو واسعة ومنهجية ومؤسسية.
والطفل الذي روت الملكة قصته، لم يكن قد وُلد يوم صدر ذلك التقرير.
وُلد بعده. وتعلّم المشي والكتابة. وبلغ عمراً يُقتاد فيه من بيته.
والتقرير نفسه ما زال ينتظر من يقرأه بصوت عالٍ.
وأكدت لجنة تحقيق أممية مستقلة، حديثاً، تعرض أطفال فلسطينيين للتعذيب أثناء احتجازهم. فصارت للتقرير القديم رفقة.
والعربية تفرّق بين العلم والمعرفة.
العلم أن تصل المعلومة إلى الرأس.
والمعرفة أن تصل إلى الضمير.
الطفل لا يعرف إلى أين يُؤخذ ولا لماذا. والعالم يعلم إلى أين ولماذا منذ سنين.
لكنه لم يكن يعرف، حتى قالتها الملكة بجملتها الأخيرة.
للعصابة، إذن، وجهان.
الأولى تُفرض على عين الطفل، ولا تُنزع إلا بيد سواه.
والثانية يختارها العالم بنفسه، ولا ينزعها إلا بقرار من صاحبها وحده.
وفي الجمعية العامة نفسها، في اليوم نفسه، قال الملك إن نظر الإنسان أمام الشاشة لا يثبت أكثر من سبع وأربعين ثانية.
فالعالم المبصر ينظر ثواني معدودة، ثم يُغمض عينيه.
تماماً كما يُغمض جفناً العصابة عين الطفل.
العصابة التي يختارها المرء تُريحه. والتي تُفرض عليه تُعذّبه!
ثم نقلت الملكة رسالة شاب اعتُقل وهو في الخامسة عشرة: أن يعرف العالم بما يمر به أمثاله.
وختمت بثلاث كلمات لا أكثر.
الآن أصبحتم تعرفون.
وللمتصوفة اسم لما جرى في تلك القاعة: كشف. أن يسقط الحجاب عن العين، فترى ما كان أمامها طوال الوقت.
كانت العصابة، في ليالي الاعتقال، قطعة قماش تضعها يد مسلحة. وفي القاعة، كانت قراراً يتخذه ضمير.
وحين تسقط عصابة عين من عرف، تسقط معها حجة العمى!



