خبرني - من جديد، يعود اسم أمجد يوسف الملقب بـ"جزار التضامن" في مخيم اليرموك بالعاصمة دمشق إلى الواجهة التفاعلات على منصات التواصل، ولكن هذه المرة عبر التلفزيون السويدي الرسمي الذي كشف عن فيلم وثائقي جديد حمل عنوان "الاسم الحركي آنا".
ويسلط الوثائقي الضوء على واحدة من أهم عمليات البحث والتحقيق المتعلقة بمجزرة التضامن في العاصمة السورية، وكيفية نجاح فريق بحثي في الوصول إلى أحد المتورطين الظاهرين في مقاطع القتل التي أثارت الرأي العام.
ويستعرض الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 76 دقيقة، شهادات ومواد من التحقيق، ويروي تطور العملية الاستقصائية وصولًا إلى كشف تفاصيل جديدة حول القضية.
ويركّز الوثائقي، الذي بثّه التلفزيون السويدي، على مسار تحقيق طويل ومعقّد قادته الباحثة السورية أنصار شحود وفريق أكاديمي دولي للوصول إلى أمجد، وهو أحد أبرز الأسماء التي ظهرت في تسجيلات الإعدام الجماعي بحي التضامن جنوب دمشق، وذلك عبر عملية استدراج رقمية استخدمت فيها هوية مزيفة لكسب ثقته وجمع معلومات واعترافات حول ملابسات الجريمة.
ويقدّم الفيلم، المنتج بدعم بريطاني وهولندي عام 2026، سردية تفصيلية لعملية بناء هذه الهوية الوهمية وكيفية استخدامها على منصات التواصل، إلى جانب شهادات ومشاهد قاسية توثّق انتهاكات وعمليات قتل ارتُكبت خلال الثورة السورية.
"آنا" هوية مزيفة لكشف الجريمة
ويسلط الوثائقي الضوء بشكل خاص على الدور الذي قامت به الباحثة السورية التي أنشأت شخصية وهمية على فيسبوك تحمل اسم "آنا" للتواصل مع أمجد وعدد من الأشخاص المشتبه بارتباطهم بالمجزرة، في إطار خطة بحثية استندت إلى التدرج وكسب الثقة خطوة بخطوة داخل الدائرة نفسها.
وتروي الباحثة في الفيلم أنها بدأت أولاً بالتواصل مع أمجد، فأرسلت له طلب صداقة على فيسبوك، وردّ عليها متسائلًا "هل أعرفك؟".
لتجيبه "أنا آنا، لدي مشروع تخرج عن الدفاع الوطني والجيش السوري" ليبدأ أمجد بالحديث معها لعدة مرات. وتبدأ الرسائل، تلتها أول مكالمة فيديو، وفي النهاية تم التحضير لمكان اللقاء بعناية وتزيينه.
أرقام الضحايا وشهادات جديدة
ومن بين أبرز ما كشفه الوثائقي الرقم الذي ورد بشأن ضحايا أمجد، إذ تحدّث عن 288 قتيلا ظهروا في 27 مقطع فيديو مختلفًا، غالبيتهم من المدنيين.
كما تضمن الفيلم ظهور شخص يدعى جمال الخطيب، والذي يعرّف نفسه بأنه "المعلم" أو "البيغ بوس" لأمجد، إذ يقول في أحد المقاطع متحدثًا عن مصير أحد الأشخاص "يعني هذا شو بدك تساويله؟ أعطيه رقم بالسجن؟ لا، بقتله بالمعركة وخلصنا".
ويضيف جمال في حديثه مع الباحثة "أنا رح قلك معلومة، ما لازم قولها، بس رح قلك، أنا معلمه لأمجد، أنا البيغ بوس تبع أمجد" في إشارة إلى وجود تسلسل هرمي ومسؤولية أوسع تتجاوز منفّذ الجريمة المباشر.
وفي تعليقه على الفيلم، كتب الباحث السوري المتخصص في التوثيق البصري تامر التركماني شهادة مطوّلة عمّا شاهده في مقاطع أمجد، قائلا "لأول مرة رح احكي هالشي. شفت فيديوهات أمجد يوسف كلهم، شفتهم كذا مرة وعدتهم مرات عديدة ودققت بكل فيديو من الفيديوهات الفظيعة تبع أمجد".
ويضيف أن أكثر مشهد ترك أثرًا نفسيًا عليه هو المقطع الذي تظهر فيه سيدات محجبات ينقلهن أمجد في "سرفيس" حافلة نقل صغيرة إلى الحفرة الشهيرة في حي التضامن، قبل أن يسحبهن واحدة تلو الأخرى ويقوم بإعدامهن تباعًا.
ويصف كيف توسّلت بعض النساء إليه طلبا للنجاة، بينما ردّ عليهن بقسوة شديدة. ويقول التركماني إن منظر النساء في الحفرة، وهن فوق بعضهن البعض، كان صادمًا إلى حدّ بدا معه المشهد غير حقيقي من شدّة الوحشية، مشيرًا إلى أن الحفرة ظهرت في المقاطع بطبقات متراكمة من البشر، تُملأ بالضحايا ثم تُحرق وتُنظّف لتستقبل دفعات جديدة، وأن كل فيديو كان يظهر فيه وجوه جديدة وضحايا مختلفون.
ويخلص الباحث إلى أن تكرار مشاهدة هذه المقاطع يعزز لديه القناعة بأن أمجد لم يكن يتحرك منفردًا، بل ضمن "منظومة متكاملة" اتفقت على هذا الأسلوب في القتل والتصفية.
من هو أمجد يوسف؟
عسكري برتبة مساعد أول في قوات النظام السوري، تولّى مهام أمنية جنوب دمشق خلال سنوات الثورة. ويتهم بالمسؤولية عن اعتقال وتعذيب وقتل معارضين سياسيين ومدنيين من النساء والأطفال وكبار السن، إلى جانب اتهامه بالمسؤولية المباشرة عن ارتكاب مجزرة حي التضامن عام 2013 الملاصق لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين.
ففي الأول من أبريل/نيسان 2013 وقعت المجزرة في شارع نسرين بحي التضامن، لكن تفاصيلها بقيت مطموسة لنحو 9 سنوات، إلى أن نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية في 27 أبريل/نيسان 2022 مقطعًا مصورًا قالت إنها حصلت عليه من مجند في مليشيا موالية للنظام السوري.
ووثّق الفيديو الذي نشرته "غارديان" مقتل ما لا يقل عن 41 مدنيًا من أصل 27 تسجيلا مصورًا، بينما وثّق أهالي الحي أسماء 288 ضحية قُتلوا بالمكان نفسه، في حين اعترف عدد من المتورطين بارتكاب مجازر أخرى في الحي راح ضحيتها نحو 500 رجل وامرأة.
وبهذا يعيد الوثائقي "الاسم الحركي آنا" فتح ملف مجزرة التضامن عبر رواية جديدة تدمج شهادات الضحايا والباحثين مع أدوات التحقيق الرقمي من المصادر المفتوحة، ليضع مجددًا قضية أمجد يوسف والمنظومة الأمنية التي عمل في إطارها أمام الرأي العام ومطالبات العدالة والمحاسبة.
وصباح الجمعة 24 أبريل/نيسان 2026 استيقظ السوريون على صور مسرّبة من سيارة أمنية، تظهر شخصا يجلس خائفا في قبضة قوى الأمن وأنفه تنزف دما، مع تعليقات متسائلة "هل هذا هو أمجد يوسف؟".
وما لبثت الداخلية السورية أن أكدت الخبر، معلنة إلقاء القبض على أمجد المتهم بالمسؤولية الأولى عن مجزرة حي التضامن، وذلك في عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي في ريف حماة، قبل أن تنشر صورة لأمجد يرتدي زي السجن.



