خبرني - منذ اندلاع الحرب، تضررت مصادر دخل الفلسطينيين في الضفة الغربية، نتيجة القيود المفروضة على العمل في إسرائيل، والضرر الذي لحق بالحركة التجارية، واحتجاز أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية.
ويحذر إسحاق غال، الخبير في اقتصاد الشرق الأوسط في مركز موشيه دايان ومعهد ميتافيم، من أن تفاقم الضائقة الاقتصادية قد تكون له تداعيات على الاستقرار في الضفة الغربية.
وقال غال: "عندما تواجه العائلات صعوبة في تأمين معيشتها، وتعجز المصالح التجارية عن مواصلة العمل، وتجد السلطة الفلسطينية صعوبة في دفع الرواتب وتقديم الخدمات، يتراكم الإحباط تدريجيا. إنه برميل بارود يتراكم، ولا أحد يعرف بأي شكل سينفجر".
إسحاق غال الخبير في اقتصاد الشرق الأوسط في مركز موشيه دايان ومعهد ميتافيمإسحاق غال الخبير في اقتصاد الشرق الأوسط في مركز موشيه دايان ومعهد ميتافيم
وفي مقابلة مع صحيفة "دافار"، دعا غال إلى النظر إلى العلاقات الاقتصادية مع الفلسطينيين باعتبارها أداة لتعزيز الأمن.
وقال إن بإمكان إسرائيل دعم الاستقرار من خلال تنظيم النشاط الاقتصادي، الذي يخضع إلى حد كبير للسياسة الإسرائيلية، إلى جانب تنفيذ إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية وإنشاء آليات رقابة متفق عليها.
وأكد أن بالإمكان دفع هذه الخطوات إلى الأمام من دون انتظار التوصل إلى تسوية سياسية شاملة أو حسم مسألة إقامة الدولة الفلسطينية.
إلا أن السياسة الحالية، بحسب ما يصفها غال في المقابلة، تسير في الاتجاه المعاكس، فإسرائيل تفرض قيودا على دخول العمال الفلسطينيين إلى أراضيها، وتضع قيودا على الحركة تضر بالتجارة، كما تحتجز أموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية.
ويربط غال قرار وقف تحويل الجزء الأكبر من هذه الأموال بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وفي الوقت نفسه، تواجه السلطة الفلسطينية صعوبة في دفع الرواتب وتوفير الخدمات.
ويرى غال أن هذه القرارات تؤدي إلى تعميق الأزمة، في الوقت الذي تستطيع فيه إسرائيل استخدام العلاقات الاقتصادية للمساعدة في تحقيق الاستقرار.
قبيل اندلاع الحرب، كان العمل في إسرائيل مصدرا رئيسيا لدخل الأسر في الضفة الغربية. وكان متوسط الأجور في إسرائيل يقارب ضعف الأجور المحلية، ولذلك أدى منع الوصول إلى أماكن العمل إلى إلحاق ضرر واسع بمصادر رزق الفلسطينيين.
ووفقا لتحليل نشره غال في مركز موشيه دايان، كان نحو نصف دخل الأسر في الضفة الغربية قبل الحرب ناتجا عن العمل في إسرائيل والتجارة معها.
ومنذ اندلاع الحرب، لم يعد بإمكان عدد كبير من العمال العودة إلى أماكن عملهم في إسرائيل.
واضطرت العائلات التي فقدت مصدر دخلها إلى تقليص مشترياتها، ما أدى إلى تراجع الطلب، وانعكس ذلك على قطاعات التجارة والصناعة والبناء.
وبذلك تحولت القيود المفروضة على دخول العمال إلى ضرر يطال أيضا المصالح التجارية والعمال داخل الضفة الغربية. وفي ما يتعلق بالاعتبارات الأمنية، قال غال: "هذه مسألة خلافية. فالكثير من الجهات الأمنية تدعو، على العكس، إلى زيادة تصاريح العمل في إسرائيل".
وانضمت إلى ذلك قيود على الدخول إلى الضفة الغربية وعلى الحركة داخلها. ويشير غال إلى الضرر الذي لحق بالمشتريات والخدمات التي يستهلكها المواطنون العرب من إسرائيل في الضفة، وهي مصدر دخل مهم للمصالح التجارية الفلسطينية.
ولا يظهر جزء كبير من هذا النشاط في بيانات التجارة الرسمية، ولذلك فإن حجم الضرر أقل وضوحا.
ويقدر غال أن تراجع التجارة غير الرسمية مع إسرائيل، إلى جانب انخفاض التجارة الرسمية، أدى إلى تراجع بنسبة 50% في حجم التبادل التجاري بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
كما أن العلاقة الاقتصادية مهمة بالنسبة إلى إسرائيل، إذ يشكل الاقتصاد الفلسطيني سوقا مهما للمنتجات والخدمات الإسرائيلية، فيما يؤدي انكماش النشاط الاقتصادي إلى الإضرار بالموردين داخل إسرائيل أيضا.
لكن الاعتماد الفلسطيني على إسرائيل أعمق بكثير. ووفقا لتحليل غال، تستوعب إسرائيل تقريبا جميع الصادرات الفلسطينية، وتوفر الجزء الأكبر من الواردات. وحتى البضائع التي يتم شراؤها من دول أخرى تصل في معظمها عبر الموانئ الإسرائيلية.
ويقول غال إن الضرر الذي لحق بمصادر الرزق يتحول إلى غضب تجاه إسرائيل والسلطة الفلسطينية على حد سواء. فالسلطة تُرى باعتبارها جهة عاجزة عن تلبية احتياجات السكان.
ويقدر أن الخوف من رد الفعل الإسرائيلي، إلى جانب الوجود العسكري الواسع في الضفة الغربية، يساهمان في الوقت الحالي في احتواء اندلاع واسع للتوتر، لكنه يحذر من أن الضائقة قد تشعل الضفة عند وقوع أي شرارة.
وقال: "في الوقت الحالي، تستثمر إسرائيل موارد ضخمة لمنع اندلاع التوتر، بدلا من ترسيخ ترتيبات اقتصادية يمكن أن تهدئ الأوضاع وتوفر على الدولة موارد يمكن استخدامها في احتياجات أخرى".
أكثر من 12 مليار شيكل للسلطة الفلسطينية تحتجزها إسرائيل
تتفاقم الضائقة الاقتصادية للأسر أيضا بسبب عدم حصول موظفي السلطة الفلسطينية على رواتبهم كاملة.
ويتمثل أحد العوامل الرئيسية في الأزمة المالية في أموال المقاصة، وهي الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، وتشمل الجمارك وضريبة القيمة المضافة على الواردات الفلسطينية والضرائب المفروضة على المشتريات من إسرائيل.
وبحسب غال، تشكل هذه الأموال نحو 70% من إيرادات السلطة الفلسطينية.
وتعود آلية التحصيل هذه إلى بروتوكول باريس، وهو الملحق الاقتصادي لاتفاقيات أوسلو، الذي ينظم العلاقات الجمركية والتجارية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، إضافة إلى تحصيل الضرائب على الواردات الفلسطينية.
ويؤكد غال أن هذه الأموال تعود إلى السلطة الفلسطينية، وأن إسرائيل تجبيها نيابة عنها، ومن المفترض أن تحولها إليها في إطار التسوية المالية بين الجانبين.
ويميز غال بين اقتطاع جزء من الأموال وبين الوضع الحالي الذي يصفه بأنه أكثر خطورة. ففي بداية الحرب، اقتُطعت مبالغ بذريعة ارتباطها بمدفوعات لعائلات منفذي العمليات وتحويلات إلى قطاع غزة.
لكن، بحسب غال، أوقفت إسرائيل منذ منتصف عام 2025، وبعد قرار من سموتريتش، تحويل الجزء المتبقي من الأموال بصورة شبه كاملة.
وتواصل إسرائيل جباية الضرائب واقتطاع مبالغ منها مقابل الكهرباء والمياه والخدمات الصحية التي تشتريها السلطة من إسرائيل، إلا أن الأموال المتبقية بعد هذه الاقتطاعات لا تُحوّل إلى السلطة.
وقال: "الأموال المتبقية، التي كان من المفترض تحويلها نقدا إلى السلطة الفلسطينية، لا تُحوّل ببساطة. وبحلول نهاية أغسطس/آب، تراكم في إسرائيل أكثر من 12 مليار شيكل تعود إلى السلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل لا تفرج عنها".
ويعني ذلك عمليا أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع استخدام أموال الضرائب الخاصة بها لدفع الرواتب وتشغيل الخدمات العامة.
وقد ظهر ذلك، على سبيل المثال، في نظام التعليم، الذي بدأ العام الدراسي بثلاثة أيام تدريس أسبوعيا بدلا من خمسة، احتجاجا من نقابات المعلمين على دفع الرواتب بصورة جزئية.
وفي الوقت نفسه، تضررت أيضا عملية جباية الضرائب التي تنفذها السلطة بنفسها. فعندما تبيع المصالح التجارية كميات أقل وينكمش الناتج الاقتصادي، تنخفض الإيرادات المحلية للسلطة. وهكذا يتراجع مصدرا الدخل في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الخدمات العامة.
ويرى غال أن بالإمكان تغيير آلية تحصيل الضرائب نفسها. ويقول إن هذه الآلية أُقرت عندما كانت السلطة في بداياتها ولم تكن قد أقامت بعد أجهزة لتحصيل الضرائب، لكنها طورت منذ ذلك الحين القدرة على القيام بهذه المهمة.
ويقترح السماح للسلطة بتحصيل الضرائب مباشرة، بالتنسيق مع إسرائيل في الموانئ والمعابر. ومن بين المقترحات، تنظيم تحويل ضرائب الوقود مباشرة إلى الخزينة الفلسطينية، بدلا من تمريرها عبر وزارة المالية الإسرائيلية.
ويعتقد غال أن الإصرار على استمرار الترتيب الحالي يعود إلى موقف مبدئي يرفض الحوار مع السلطة الفلسطينية. وقال: "لا توجد أي حاجة وظيفية أو قيمة أمنية لاستمرار إسرائيل في تحصيل هذه الأموال".
الأموال المحتجزة يمكن أن تكون جزءا من الحل
ترتبط الأزمة المصرفية بآلية أخرى لها علاقة بالاعتماد على إسرائيل. فالاقتصاد الفلسطيني لا يملك عملة وطنية مستقلة، ويُستخدم الشيكل عملة رئيسية في النشاط الاقتصادي. كما تتيح العلاقات مع المصارف الإسرائيلية إجراء المعاملات بالشيكل وتسديد المدفوعات المرتبطة بالتجارة مع إسرائيل.
ويُعد بنكا هبوعليم وديسكونت المصرفين الرئيسيين اللذين يحافظان على العلاقة مع المصارف الفلسطينية.
ووفقا لغال، تستند أنشطتهما إلى خطاب تعويض تقدمه وزارة المالية الإسرائيلية، ويحميهما من الدعاوى المرتبطة بهذا النشاط، بما في ذلك الاتهامات بتمويل الإرهاب وغسل الأموال.
ويقول إن مصدر القلق يرتبط بمشاركة السلطة الفلسطينية وجهازها المالي في دفع رواتب و"تعويضات" للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ولعائلاتهم.
ويرى غال أن الأموال التي تحتجزها إسرائيل يمكن أن تشكل جزءا من الحل أيضا. وقال: "الأموال التي تحتجزها إسرائيل يمكن أن تكون جزءا من الحل، لكن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية".
وبحسب غال، يمكن الإفراج تدريجيا عن الأموال المتراكمة، بالتوازي مع تنفيذ خطة إصلاح داخل السلطة وتخفيف القيود التي تضر بالنشاط الاقتصادي.
وقال: "عندما تُستبعد نفقات قطاع غزة، الذي أصبح عمليا تحت مسؤولية حكومة التكنوقراط، وعندما تحول إسرائيل بصورة منتظمة جميع الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية، فبإمكان السلطة أن تحقق توازنا شبه كامل في ميزانيتها الجارية".
وأوضح أن هذا التقدير مشروط بدراسة ميزانية الضفة الغربية بصورة منفصلة عن غزة، واستئناف تحويل أموال الضرائب، وتعافي الاقتصاد. وفي ظل هذه الظروف، يقدر غال أن الحاجة إلى المساعدات الخارجية لتمويل الميزانية الجارية يمكن تقليصها بصورة كبيرة خلال عام أو عامين.
وخلال المرحلة الانتقالية، يقترح غال إيداع الأموال المحتجزة في إسرائيل لدى آلية تخضع لإدارة دولية، مثل البنك الدولي. وبعد تخصيص جزء من المبلغ لاحتياجات قطاع غزة، تقوم الآلية بتحويل الأموال إلى السلطة تدريجيا، وفقا للاحتياجات والتقدم في تنفيذ الإصلاحات.
ويشير غال إلى وجود برنامج لتمويل السلطة الفلسطينية مشروط بتنفيذ إصلاحات بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، لكنه يسمح بالكاد بدفع رواتب جزئية، من دون معالجة فقدان مصدر الدخل الرئيسي للسلطة.
ويتمثل الهدف، بحسب غال، في الوصول إلى وضع تمول فيه الإيرادات الذاتية النشاط الجاري، بينما تُستخدم المساعدات الخارجية لأغراض التنمية.
ويرى غال مفارقة في اقتطاع أموال مخصصة للمدفوعات للأسرى الفلسطينيين، مع عدم وجود استعداد للحوار مع السلطة. ويقول إن السلطة تدعي أنها نقلت هذه المدفوعات إلى إطار للرعاية الاجتماعية يقوم على أساس الحاجة الاجتماعية.
وأضاف: "لكن بدلا من أن تشترط إسرائيل الإفراج عن الأموال بإقامة آلية رقابة تضمن وقف الدفع للأسرى، يجري ببساطة اقتطاع الأموال واستمرار القطيعة".
ويقترح غال تحديد معايير واضحة وإنشاء آلية رقابة دولية يمكن لإسرائيل المشاركة فيها، للتأكد من أن المدفوعات تستند إلى احتياجات اجتماعية.
ويرى أن هذه المسألة، مثل غيرها، يمكن حلها في إطار مفاوضات حول الإصلاحات، من خلال وضع قواعد وآليات رقابة متفق عليها.
وبحسب وجهة نظره، فإن تنظيم ملف الضرائب والعلاقات المصرفية والرقابة على الإصلاحات، قضايا لا ينبغي أن تنتظر حسم مسألة إقامة الدولة الفلسطينية.
وقال: "منذ اللحظة التي ستتوفر فيها الإرادة السياسية للقيام بذلك، أعتقد أنه سيكون بالإمكان التوصل إلى ترتيب اقتصادي أمني خلال شهرين أو ثلاثة".
ويقدر غال أن استكمال الإصلاحات والاقتراب من تحقيق توازن في الميزانية يحتاج إلى عدة سنوات. لكنه يضيف: "أما الانتقال إلى واقع يوفر الأمل والاستقرار وأفقا للتنمية، فيمكن تحقيقه بسرعة كبيرة".
وبالنسبة إلى غال، فإن الاستقرار المالي يمثل أيضا وسيلة لتعزيز الأمن. فمن شأن تغيير تعامل إسرائيل مع الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب الإصلاحات والرقابة، أن يتيح للسلطة أداء وظائفها وللسكان تأمين سبل معيشتهم، وأن يقلص الضائقة التي تغذي حالة عدم الاستقرار، حتى من دون التطرق إلى قضايا شديدة الحساسية مثل إقامة الدولة الفلسطينية.
وختم غال قائلا: "يمكن إقامة آليات اقتصادية تتيح تعاونا واسعا، لكن ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية لا أرى أنها متوفرة في الوقت الحالي".



