خبرني - أعادت فرضية بحثية جديدة الجدل حول أحد أكثر ألغاز الحضارة المصرية القديمة إثارة، بعدما طرح الباحث المستقل سيفي ليفي تصورا يرى أن الفراغ داخل غرفة الملك في الهرم الأكبر بالجيزة ربما لم يكن نتيجة نهب مقبرة ملكية فحسب، وإنما قد يكون جزءا من تصميم مقصود يحمل معلومات فلكية وتقويمية مشفرة في أبعاد الهرم نفسه.
وتستند الفرضية، التي وردت في دراسة أولية نُشرت عبر منصة SSRN في أغسطس الماضي، إلى تحليل رياضي لأبعاد هرم خوفو، وتقارن بين نتائج حسابية مستخرجة من تصميمه وعدد من القيم الفلكية والتقويمية المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة، إلا أن الدراسة لم تخضع بعد لمراجعة علمية محكّمة، ما يجعل نتائجها في إطار الفرضية البحثية التي تحتاج إلى اختبارات مستقلة قبل اعتمادها على نطاق أوسع.
"الهرم هو المعرفة نفسها"
ينطلق ليفي من ملاحظة تتعلق بغرفة الملك، التي تضم تابوتا من الغرانيت لم يُعثر بداخله على بقايا مؤكدة لدفن ملكي.
ويشير إلى أن أبعاد الصندوق الحجري تجعله غير قابل للمرور عبر الممرات بعد اكتمال البناء، وهو ما يعني أنه وُضع في موقعه خلال مرحلة تشييد الهرم.
وبينما تظل الوظيفة الجنائزية للهرم هي التفسير التقليدي المدعوم بالسياق الأثري للمجمع، يقترح الباحث قراءة مختلفة ترى أن الهرم ربما لم يكن مجرد حاوية لجثمان ملكي، بل يمكن أن يكون هو نفسه "حامل المعرفة"، إذ تحمل أبعاده الهندسية معلومات عن دورات فلكية وتقويمية كان المصريون القدماء على دراية بها.
ويختصر ليفي رؤيته بعبارة لافتة مفادها أن الهرم لم يُبنَ ليبقى آلاف السنين لأنه يحتوي على شيء ثمين، بل لأنه في حد ذاته يمثل شيئا ذا قيمة، معتبرا أن "المعرفة" قد تكون قد تحولت إلى بناء حجري دائم.
من 440 ذراعا إلى الأجرام السماوية
تعتمد الدراسة على مواصفات هندسية معروفة للهرم، من بينها طول القاعدة البالغ نحو 440 ذراعا ملكيا، ومقياس ميل يُعرف باسم "الـSeked" يبلغ 5.5، وهو ما ينتج زاوية ميل تقارب 52 درجة.
وبناءً على هذه المعطيات، يستخرج الباحث ستة أبعاد خارجية، ثم يطبق عليها عمليات حسابية كسرية مستمدة من الأساليب الرياضية المعروفة في بردية ريند الرياضية، وهي وثيقة مصرية قديمة تحفظ طرقا حسابية تعود إلى فترات أقدم.
يقارن ليفي النتائج بـ14 قيمة فلكية وتقويمية موثقة في السجل المصري، ووفقا للملخص الذي أودعه الباحث، جاءت 10 نتائج من أصل 14 ضمن هامش لا يتجاوز 0.2% من القيم المستهدفة، بينما أخفقت أربع نتائج، مع تسجيل حجم الفروق، كما استُبعدت أربعة أهداف إضافية، لأن الوصول إليها كان يتطلب عمليات حسابية لا تسمح بها منهجية الدراسة.
ومن بين النتائج التي يبرزها الباحث رقم 27.5، الذي يقارنه بفترة تبلغ نحو 27.55 يوما بين حالات الحضيض القمري المتتالية، إلى جانب الرقم 70، الذي يربطه بالفترة التقريبية لاختفاء نجم الشعرى اليمانية عن الرؤية بسبب وهج الشمس، وهي فترة ارتبطت بدورها بنظام ضبط الزمن المصري القديم.
كما تشير الدراسة إلى تطابقات أخرى محتملة مع دورات مرتبطة بكوكبي الزهرة والمشتري، إضافة إلى قيم رياضية مثل ثابت "باي" والنسبة الذهبية.
ماذا قالت محاكاة 100 ألف هرم؟
ولتقدير احتمال ظهور مثل هذه التطابقات بالصدفة، أجرى الباحث محاكاة حاسوبية شملت 100 ألف هرم افتراضي بأبعاد عشوائية، مصممة وفق نمط أهرامات الدولة القديمة.
وأظهرت النتائج، بحسب الدراسة، أن نحو 2419 هرما، أي ما يقارب 2.4%، حققت عددا من التطابقات مساويا لما حققه الهرم الأكبر أو أعلى منه.
ويرى ليفي أن انخفاض النسبة قد يشير إلى أن التطابقات المرصودة أقل احتمالا لأن تكون عشوائية، غير أن الدراسة نفسها تظل نموذجا حسابيا وضعه الباحث، ولا تمثل بحد ذاتها تأكيدا علميا مستقلا، وقد أودعت الأكواد والبيانات الخام المستخدمة في التحليل إلى جانب الدراسة، بما يسمح بإعادة فحص المنهج والنتائج.
بين المقبرة والرسالة المشفرة
ورغم جاذبية الفرضية، فإن أحد أبرز التحديات أمامها يتمثل في غياب نص مصري قديم مكتشف ينص صراحة على أن أبعاد الهرم الأكبر صُممت لترميز بيانات فلكية.
في المقابل، فإن وجود تابوت غرانيت فارغ داخل الهرم، وموقعه ضمن مجمع جنائزي ومقبرة ملكية، يمثلان عناصر تدعم التفسير القائل بأن للهرم وظيفة جنائزية ملكية، حتى مع عدم وجود دفن مؤكد داخل غرفة الملك.
ويربط ليفي فرضيته أيضا بالتفسير الرمزي لشكل الهرم باعتباره تمثيلا لـ"التل البدائي" في معتقدات الخلق المصرية، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بربط هذا التصور بفرضية عن "الصحراء الخضراء" وهجرات السكان في شمال إفريقيا خلال عصور مناخية سابقة، لكنه يقر ضمنيا بأن هذه السلسلة من الأفكار لا تستند إلى نقش مصري مباشر يثبتها.
الاختبار الحاسم لم يأتِ بعد
وتبقى الخطوة الأكثر أهمية هي إعادة اختبار النتائج بصورة مستقلة، فبحسب المادة البحثية، إذا تعذر تكرار نتيجة 10 من أصل 14 باستخدام العمليات التي حددها الباحث مسبقا، ومن دون توسيع المنهج بعد ظهور النتائج، فإن قوة الفرضية ستتراجع.
أما إذا أمكن لباحثين مستقلين إعادة إنتاج النتائج، فقد يفتح ذلك نقاشا جديدا حول إمكانية أن يكون الهرم الأكبر قد جمع بين وظيفة جنائزية ورمزية وبين دور آخر يتعلق بتسجيل معلومات فلكية أو تقويمية.
وفي انتظار اختبارات مستقلة ومراجعة علمية محكّمة، يظل السؤال مفتوحا: هل كان الهرم الأكبر مجرد مقبرة ملكية شديدة الدقة، أم أن أبعاده تحمل بالفعل رسالة فلكية صاغها المصريون القدماء في الحجر؟



