خبرني - تبدو فكرة إقامة مدن بشرية دائمة على سطح القمر أقرب إلى الواقع مع تسارع خطط وكالات الفضاء والشركات الخاصة.
لكن دراسة علمية حديثة حذرت من عقبة رئيسية قد تقوض هذه الطموحات، تتمثل في محدودية المياه المتاحة على القمر، حتى وفق أكثر التقديرات تفاؤلًا.
ونشر موقع Phys.org تقريرًا حول الدراسة التي صدرت في دورية Frontiers in Space Technologies، موضحًا أن اكتشاف المياه المتجمدة داخل الفوهات المظلمة القريبة من قطبي القمر أدى إلى زيادة الاهتمام الدولي بإقامة قواعد، وربما قرى ومدن ومنشآت صناعية على سطحه.
مليار طن من المياه.. لكنها قد لا تكفي
تشير التقديرات المتفائلة إلى إمكانية وجود ما يصل إلى مليار طن من المياه، أي نحو 910 ملايين طن متري، على هيئة جليد داخل المناطق شديدة البرودة القريبة من قطبي القمر.
ويرتبط وجود هذه المياه بـ اصطدامات الكويكبات بالقمر على مدار تاريخه، بينما ساعدت الفوهات التي لم يصل إليها ضوء الشمس المباشر منذ مليارات السنين في الحفاظ على درجات حرارة منخفضة للغاية، ما أتاح بقاء الجليد داخل ما يعرف باسم «المصائد الباردة».
وغيّر اكتشاف المياه تصورات العلماء بشأن الاستيطان القمري، إذ يمكن الاستفادة منها في الشرب والزراعة والنظافة وغيرها من الاحتياجات الأساسية، بدلًا من نقل جميع الإمدادات من الأرض.
الطاقة ليست المشكلة
بحسب الدراسة، قد يكون توفير الكهرباء لسكان القمر أسهل من تأمين المياه.
وتتعرض حواف بعض الفوهات القطبية لضوء الشمس بصورة شبه مستمرة، ما يجعلها مواقع ملائمة لإنتاج الطاقة الشمسية.
ويقدر الباحثون إمكانية توليد نحو 3 جيجاوات من الكهرباء من خلال أبراج يصل ارتفاعها إلى كيلومتر واحد ومغطاة بألواح كهروضوئية، مع إمكانية تصنيع بعض هذه الألواح على سطح القمر نفسه، مستفيدين من وفرة السيليكون.
كما يرى الباحثون أن وفرة الكهرباء في هذه المناطق قد تسمح مستقبلًا بإنشاء مراكز بيانات تعمل بالذكاء الاصطناعي على سطح القمر، بما قد يسهم في نشوء اقتصاد قمري حقيقي.
مدينة مليونية قد تستنزف المياه
لكن المياه تمثل التحدي الأكبر أمام إنشاء تجمعات بشرية ضخمة على سطح القمر.
وخلص الباحثون إلى أنه حتى مع افتراض وجود مليار طن كامل من المياه، فإن مدينة قمرية ضخمة لن تتمكن من الاستمرار لفترة طويلة دون الاعتماد على إعادة تدوير المياه.
وحتى عند تحقيق كفاءة في إعادة تدوير المياه تصل إلى 98%، وهي نسبة مماثلة لما يتم تحقيقه في محطة الفضاء الدولية، فإن مدينة يبلغ عدد سكانها مليون نسمة قد تستنفد مواردها المائية خلال فترة تزيد قليلًا على قرن واحد.
وتزداد صعوبة الوضع عند الاعتماد على التقديرات الحالية، إذ تشير الدراسة إلى أن الكمية الفعلية للمياه على القمر قد تكون أقل بنحو 30 مرة من تقدير المليار طن.
وفي هذه الحالة، يمكن حتى لمدينة صغيرة أن تواجه نفاد المياه خلال نحو عقد واحد، بينما قد تتمكن مستوطنة تضم ألف شخص أو بلدة يبلغ عدد سكانها 10 آلاف نسمة من الاستمرار لقرون.
هل تفشل خطط المدن القمرية؟
لا تعني نتائج الدراسة استحالة إقامة مستوطنات بشرية على القمر، لكنها تشير إلى أن المدن العملاقة التي تضم مئات الآلاف أو ملايين السكان لن تكون مستدامة بالاعتماد على موارد المياه المعروفة حاليًا.
وطرح الباحثون مجموعة من الحلول المحتملة، بينها تطوير تقنيات إعادة تدوير المياه بدرجة كبيرة، وخفض الاستهلاك من خلال استخدام أساليب زراعية أكثر كفاءة، مثل الزراعة الرأسية، إلى جانب إمكانية استيراد المياه من كويكبات قريبة يمكن الوصول إليها.
البحث عن مياه جديدة قد يكون الحل
ويرى الباحثون أن العثور على موارد إضافية من المياه تحت سطح القمر قد يكون من أكثر الحلول الواعدة لمشكلة الاستيطان طويل الأجل.
فالتقنيات المستخدمة حاليًا لمسح موارد المياه لا تصل عادةً إلا إلى عمق بضعة أمتار، في حين تمتد طبقات التربة والصخور المفككة على سطح القمر إلى أعماق قد تصل إلى عشرات الأمتار.
ويعتقد العلماء أن هذه الطبقات العميقة قد تحتوي على كميات إضافية من الجليد لم يتم اكتشافها حتى الآن، وهو ما يجعل عمليات الاستكشاف المستقبلية عنصرًا حاسمًا في تحديد مدى إمكانية تنفيذ خطط الاستيطان البشري على القمر لفترات طويلة.



