خبرني - لم تكن صناعة السيارات الأمريكية يوما مجرد قطاع اقتصادي عادي، بل كانت الرمز الأبرز للتفوق الصناعي والتقني للولايات المتحدة طوال القرن العشرين.
فمن خطوط تجميع "هنري فورد" التي غيرت وجه التصنيع العالمي، إلى ناطحات السحاب القائمة في وسط ديترويت والتي شُيدت حين كانت أموال "موتور سيتي" تتدفق كالنهر، شكلت السيارات عماد الاقتصاد والهوية الوطنية للبلاد.
غير أن هذا المشهد المهيب يبدو اليوم وكأنه ينتمي إلى عصر مضى، إذ تواجه الصناعة الأمريكية تراجعا هيكليا متسارعا، انحصر معه نفوذها الحقيقي تدريجيا داخل السوق المحلية، بينما تتقلص مكانتها العالمية بوتيرة تدعو للقلق.
انكماش متزايد
يتجلى تراجع صناعة السيارات الأمريكية في مؤشرات كمية صارخة، فبعد أن كانت واشنطن تنتج نحو ثلاثة أرباع سيارات العالم في منتصف القرن الماضي، باتت تنتج الثمن فقط. هذا التدهور ليس وليد اللحظة، بل هو حصاد عقود من التراجع التدريجي الذي تسارعت خطاه مؤخرا.
- انكماش الحصص السوقية: تراجع متوسط الحصة السوقية العالمية للشركات الأمريكية الكبرى إلى نسب أحادية (أقل من 10%)، بعد أن كان يقارب 25% في تسعينيات القرن الماضي.
- ترتيب العمالقة: في قائمة أكبر مجموعات السيارات عالميا، تتصدر تويوتا القمة بـ 11.3 مليون سيارة، تليها مجموعة فولكس واغن بـ 8.9 ملايين، ثم مجموعة هيونداي موتور بـ 7.2 ملايين. وفي المقابل، تراجعت جنرال موتورز إلى المرتبة السادسة بـ 4.55 ملايين سيارة، وجاءت فورد سابعة بـ 4.39 ملايين.
- التفوق الصيني: نجحت شركة بي واي دي (BYD) الصينية في تجاوز جنرال موتورز عالميا بعد تسجيلها 4.60 ملايين سيارة، حاصدة المرتبة الخامسة عالميا.
صعود المنافسين الآسيويين
تعكس البيانات صعودا خاطفا للشركات الآسيوية التي كانت تمثل أطرافا هامشية في العقود الماضية:
• في السوق الصينية (الأكبر عالميا): انخفضت حصة جنرال موتورز (GM) بنحو النصف خلال عقد واحد، بينما فقدت فورد ثلثي حصتها. وتراجعت الحصة الإجمالية للسيارات الأمريكية في الصين من 12.49% عام 2014 إلى أقل من 6%؛ بل إن هذه الحصة لا تتجاوز 4% فقط لشركات ديترويت التقليدية عند استبعاد تسلا.
• في السوق الأوروبية: انخفضت حصة فورد لسيارات الركاب من 12% إلى نحو 3.3% – 4%. أما جنرال موتورز فقد انسحبت فعليا من القارة الأوروبية ببيع علامتيها أوبل (Opel) وفوكسهول (Vauxhall) عام 2017، لتمثل إيراداتها خارج أمريكا الشمالية نحو 8% فقط من إجمالي دخلها.
تزامن هذا الانكماش مع عجز تجاري مزمن؛ إذ بلغ إجمالي العجز التجاري الأمريكي في قطاع السيارات نحو 3.3 تريليونات دولار خلال الفترة الممتدة من عام 1963 إلى عام 2023.
وواصل this العجز اتساعه المسجل سنويا متجاوزا 128 مليار دولار، وتركز بشكل أساسي مع المكسيك واليابان وألمانيا وكندا، مما يؤكد الاعتماد المتزايد للاقتصاد الأمريكي على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي.
الجذور الهيكلية للتراجع
لم يكن تراجع صناعة السيارات الأمريكية وليد أزمة عابرة أو ظروف طارئة، بل كان نتاجا لعوامل هيكلية متراكمة تضافرت على مدى عقود. وتتجلى أولى هذه العوامل في الجمود الواضح أمام التحولات التكنولوجية المتسارعة، إذ يوضح تقرير مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار (ITIF) أن تراجع الصناعة الأمريكية نابع من تباطؤ استجابتها للتغيرات الجوهرية في نموذج التصنيع.
واستغرقت شركات ديترويت ما بين 10 و15 عاما لمجرد التكيف مع أساليب الإنتاج اليابانية المرنة في ثمانينيات القرن الماضي، ما أفقدها حصصا سوقية لم يتمكنوا من استعادتها قط.
ويتكرر هذا السيناريو اليوم بصورة أكثر خطورة مع التحول العالمي نحو الكهربة والبرمجيات المدمجة. وتتسع الفجوة التنافسية أمام المنافسين الصينيين الذين يطرحون سيارات كهربائية بتكلفة أقل بنسبة تتراوح بين 25% و30%، وتستغرق دورة تطوير نماذجهم الجديدة 18 شهرا فقط، مقارنة بنحو 5 سنوات لدى الشركات الأمريكية والأوروبية.
وتتعمق هذه الفجوة بفعل معضلة التمويل التي تواجهها المصانع الأمريكية، حيث تظل مترددة بين حماية الأرباح التقليدية لمحركات الاحتراق الداخلي وتتدفقات التمويل الضخمة المطلوبة نحو الكهربة؛ وهو ما كبّدها خسائر واستثمارات غير مستردة ناهزت 50 مليار دولار، مشكّلة ضغطا مباشرا قلّص قاعدتها الرأسمالية.
انكفاء محلي
ويتصل هذا التعثر التكنولوجي بعامل ثان يتمثل في الانكفاء التدريجي على السوق المحلية، إذ ركزت الشركات الأمريكية إستراتيجياتها على السوق المحلية ذات الهوامش الربحية العالية.
ويرى محللون أن شركات ديترويت تتجه لتصبح مصنعة متخصصة في الشاحنات الكبيرة وسيارات الدفع الرباعي (SUV) ورغم جاذبية هذه الفئات محليا، فإنها تفتقر للشعبية في الأسواق الآسيوية والأوروبية نظرا لارتفاع أسعار الوقود وطبيعة الطرق الضيقة، مما يهدد بتحويل العمالقة السابقين إلى مجرد مصنعين إقليميين محدودي الأفق.
ويكتمل هذا المشهد بالعامل الثالث المتعلق بالحماية التجارية المتقلبة، والتي أثبتت عدم جدواها في حماية القطاع. فالرسوم الجمركية المفروضة بنسبة 25% خلقت ضغوطا لإعادة توطين الإنتاج، لكنها زاحمت في الوقت ذاته الاستثمارات الموجهة للبحث والتطوير.
وكما أظهرت تجارب السبعينيات والثمانينيات، فإن الحماية السياسية قد تؤخر الاستجابة للتكيف، لكنها لا تمنع المنافسين الدوليين كاليابانيين سابقا والصينيين حاليا من تأسيس قواعد تصنيعية بديلة والتوسع بثبات في باقي أسواق العالم.
التحولات الهيكلية في الصناعة العالمية
يعيد قطاع السيارات العالمي تشكيل بنيته وفق تحولات هيكلية عميقة تتجاوز المنافسة التقليدية، لتطال أسس المزايا التنافسية والجغرافيا الاقتصادية برمتها. وتتجلى أولى هذه التحولات في التوجه المتزايد نحو "الإقليمية" وتراجع مفهوم العولمة، فبينما تتكيف الشركات المنافسة بمرونة عبر بناء سلاسل توريد مخصصة للأسواق الإقليمية، تجد صناعة السيارات الأمريكية نفسها تنكفئ على قواعد إنتاجها المحلية مع تحمل ارتفاع حاد في التكاليف المباشرة.
أما المحور الثاني فيتمثل في التحول المتسارع نحو الكهربة، وهو المجال الذي بات يسجل فيه الأداء الأمريكي بطئا ملحوظا بحصة استقرت عند حدود 10% في السوق المحلية. وفي المقابل، تجاوزت المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية حاجز 20 مليون وحدة، وتفرض الصين سيطرتها على 32% من هذا السوق العالمي، مقارنة بحصة هزيلة لا تتعدى 5% لثلاثي ديترويت التقليدي.
ويأخذ هذا التباين التكنولوجي القطاع نحو المحور الثالث المتعلق بالأزمة الهيكلية للهوية والابتكار، إذ تواجه الشركات الأمريكية مخاطر متزايدة بالتحول إلى "علامات تجارية فارغة" تقتصر مهمتها على التسويق، بينما تدار وتطور القدرات التكنولوجية في الخارج. ويأتي ذلك في وقت تقود فيه الشركات العالمية المنافسة تطوير تقنيات البطاريات المتقدمة، والقيادة الذاتية، والبرمجيات المدمجة.
وقد لخص جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد (Ford)، هذا التحول الهيكلي بقوله: "إن عصر صناعة السيارات كصناعة عالمية قد انتهى. لقد اعتدنا أن نكون صناعة عالمية، لكن تلك الأيام ولت".
الأثر الاقتصادي والاستراتيجي
لا يقتصر تراجع قطاع السيارات على كونه أزمة تجارية عابرة، بل يمتد ليمس أسس القوة الاقتصادية والأمن الصناعي للولايات المتحدة. فعلى الصعيد الاقتصادي، يساهم النطاق البيئي للسيارات بأكثر من 1.2 تريليون دولار سنويا، ما يعادل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب دعمه لـ 47 ألف مهندس وأكثر من 5600 مورد محلي، الأمر الذي يجعل خسارة التنافسية في هذا القطاع ضربة موجعة لصناعات إستراتيجية حيوية أخرى، كالدفاع والتشغيل الآلي الدقيق.
ويترافق هذا التراجع مع اتساع مقلق في فجوة الابتكار والبحث والتطوير، إذ لا تستثمر الولايات المتحدة سوى 1.40 دولار في أبحاث قطاع السيارات لكل 1000 دولار من الناتج المحلي، في المقابل تضخ الصين 4.00 دولارات للمعيار نفسه، مما يهدد بتسريع الفجوة التقنية لصالح المنافسين.
ولا يتوقف أثر هذا الانحدار عند الحدود الاقتصادية والتقنية، بل يمتد ليطال البنية الاجتماعية والعمرانية للمدن؛ حيث تقف مدينة ديترويت التاريخية شاهدا حيا على فداحة هذا التراجع، بعد أن هبط عدد سكانها من 1.8 مليون نسمة عام 1950 إلى نحو 685 ألفا فقط، لتصل إلى محطة إفلاسها الشهير عام 2013 تحت وطأة ديون متراكمة تجاوزت 18 مليار دولار.
تقف صناعة السيارات الأمريكية اليوم عند مفترق طرق حاسم، فالمعطيات تؤكد أن أيام الهيمنة المطلقة قد انقضت، إلا أن هذا لا يعني نهاية المطاف بالضرورة. فما زالت الشركات الأمريكية تتمتع بقاعدة صلبة في الشاحنات المركبة والمركبات الكبيرة، إلى جانب فرص واعدة في مجالات البرمجيات والقيادة الذاتية.
ويبقى السؤال: هل تنجح واشنطن وشركاتها في صياغة إستراتيجية تتجاوز حماية الماضي لبناء مستقبل تقني منافس؟ إن الحسم يتطلب الاعتراف بأن صناعة السيارات لم تعد مجرد قطاع تجاري تقليدي، بل هي ركيزة إستراتيجية ترتبط ارتباطا مباشرا بالقوة الوطنية والتكنولوجية للدولة.



