خبرني - في مقابلة تلفزيونية مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس"، تحدّث الضابط الأمريكي المكنّى باسم "برافو" للمرة الأولى عن تفاصيل ما جرى له بعد إسقاط مقاتلته من طراز "F-15E" فوق إيران في أبريل الماضي، وكيف نجا بعد نحو خمسين ساعة من التيه في الجبال الوعرة.
جاء هذا الحديث عقب أشهر من التكتم، بعد أن استحوذت قصته على اهتمام العالم، إذ كان وقوعه أسيرًا بيد الجمهورية الإسلامية في ذلك الوقت كفيلًا بتغيير مسار الحرب التي شنّها دونالد ترامب ولم تحصل على تأييد شعبي واسع.
ماذا جرى؟
في أبريل الماضي، أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية الطائرة التي كانت تحمل الاسم الحركي للمهمة "Dude 44" أثناء تحليقها فوق الأجواء الإيرانية. كان على متنها شخصان: الأول هو الطيار المعروف باسم "ألفا"، وقد نجا بعد ذلك، لكنه رفض إجراء المقابلة. والثاني وهو "برافو"، ضابط أنظمة الأسلحة في المقعد الخلفي، وهو الذي فُقد بعد الحادث، واستمرت عملية انقاذه فترة أطول، تسابقتا فيها طهران وواشنطن.
ويروي هذا الجندي أنه بعدما أصاب صاروخ إيراني محمول على الكتف المقاتلة، حاول هو ورفيقه إنقاذ الطائرة، لكنهما أدركا أن لا أمل في ذلك، فقفزا منها.
وقد هبط زميله "ألفا" بسلام، وأُنقذ لاحقًا، أما هو، فقد تضررت مظلته من شظايا الصاروخ ولم يستطع استعمالها بطريقة كاملة. وقال: "حين نظرت إلى الأعلى ولم أجد مظلتي، كان ذلك أكثر مشهد مرعب رأيته في حياته، فتوقفت لحظتها وصليت لله لأبقى حيًا"، ثم سقط بشكل حر، وبسرعة تراوحت بين 70 و100 ميل في الساعة، حسب الرواية.
عند ارتطامه بالأرض، كسر برافو ظهره وذراعه وكتفه. وأوضح أنه هبط على بعد نحو خمسة أميال من "ألفا"، وأنه رغم الإصابات تحرك بأسرع ما أمكنه بعيدًا عن مكان الهبوط.
كان الجو مظلمًا في البداية، لكن مع شروق الشمس بدأ يتبيّن ما حوله، فوجد نفسه في واد صحراوي مرتفع تحيط به منحدرات صخرية شاهقة. وأدرك أن أسلم مكان يمكن أن يلجأ إليه هو الأعلى، فقرر رغم كسور عظامه أن يتسلق خط قمة جبلي يبلغ ارتفاعه نحو 7000 قدم. وقال مازحًا: "لا تدع أبدًا نقص الحافز يضعك على التلفزيون الإيراني".
وفي المقابلة نفسها، يحكي أنه بقي دون طعام أو ماء تقريبًا ليوم كامل آخر، في برد ورياح الصحراء الجبلية، بينما كانت وسائل الإعلام الإيرانية تنشر صورًا لحطام الطائرة، وظهرت مقاطع فيديو لمجموعات مسلحة تبحث عنه.
ووفقًا لمصادر عسكرية أمريكية، اقترب الإيرانيون إلى مسافة بضع مئات من الأمتار منه. وبعد نحو ست ساعات، تمكنت القوات الأمريكية من إنقاذ "ألفا" لكنها لم تتمكن من العثور على رفيقه فانسحبت.
الإنقاذ
مع حلول الليل، أرسل "برافو" رسالة إلى الجيش الأمريكي يبلغهم فيها أنه مصاب لكنه يتحرك، دون أن يكشف عن تفاصيل الرسالة. وكادت قوة إنقاذ تُرسل بعد ذلك بقليل، لكن وزير الحرب بيت هيغسيث قال في تصريحات منفصلة إن "الأمور لم تكن متوافقة"، ووصف قرار تأجيل الإنقاذ بأنه كان صعبًا.
وتحدث الضابط عن دور وكالة الاستخبارات المركزية في إنقاذه، إذ أطلقت الأخيرة "حملة خداع متعددة الجوانب لتضليل القوات الإيرانية التي تبحث عنه"، واستخدمت تقنية سرية للغاية لتحديد موقعه بدقة.
ولتمهيد الطريق لإنقاذه، ضربت قاذفات وطائرات بدون طيار أمريكية قوات الحرس الثوري الإيراني القريبة من مكان اختبائه. بعد نحو خمسين ساعة من إسقاطه، ومع شروق شمس أحد أيام عيد الفصح، أُنقذ "برافو". ويقول إن رؤية منقذيه كانت "واحدة من أعظم لحظات حياتي". وحين وصلوا إليه أول مرة، قال لهم ببساطة: "لنذهب".
لكن عملية الإنقاذ لم تخلُ من تعقيدات، إذ علقت معدات الهبوط في طائرات الإنقاذ في رمال مهبط صحراوي مؤقت، ولم تتمكن الطائرات من الإقلاع. كما بقي أكثر من 90 من أفراد القوات الأمريكية على الأرض حتى جاءت وحدة سرية تابعة للقوات الجوية لإنقاذهم، واضطرت الولايات المتحدة إلى تدمير الطائرتين المحاصرتين، اللتين تبلغ قيمة كل منهما نحو 100 مليون دولار، وكذلك مروحيات "Little Bird" الصغيرة، حتى لا تقع التقنية في أيدي الإيرانيين.
بعد وقت قصير من مغادرة إيران، اتصل "برافو" بزوجته في الولايات المتحدة. يقول: "كنت فخورًا بها حقًا وممتنًا للقوة التي أظهرتها". ويضيف أنه يريد أن يعرف الشعب الأمريكي أن ما حدث يتعلق بأكثر من تجربته الشخصية: "إنها قصة جماعية عن التدريب والإيمان والقرارات والقيادة، ستبقى في التاريخ مثالًا على ما تستعد أمريكا لفعله وفاءً بوعدها بألا تترك رجلًا خلفها"، وفق تعبيره.
توقيت المقابلة والجدل حول الضغوط على الطيارين
يأتي الكشف عن تفاصيل المقابلة على مشارف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. وقد شكّكت شبكة "سي إن إن" في خلفياتها، قائلة إن هيغسيث ومسؤولين سياسيين في وزارته ضغطوا لدفع طاقم الطائرة "F-15E" للمشاركة في المقابلة، بهدف تسليط الضوء على عملية الإنقاذ وصياغة سردية إيجابية عن الحرب مع إيران، خاصة مع تزايد عدم الرضا الشعبي عنها.
ونقلت الشبكة عن مصادر أن الطيارين أبديا تحفظات في البداية، وأن أحدهما أعرب عن قلقه من احتمال إلزامه بالمشاركة، كما أبدى مسؤولون عسكريون حذرًا من كشف تفاصيل سرية تتعلق بالإنقاذ.
إلا أن هيغسيث اجتمع بهما على انفراد وسألهما إن كانا يرغبان في المشاركة بدلًا من إجبارهما، فوافق "برافو" على مقابلة مصورة، بينما رفض "ألفا" المشاركة.
في المقابل، كانت شبكة "سي بي إس" متحمسة جدًا للحصول على المقابلة، واعتبرتها أولوية قصوى، خاصة في ظل اضطرابات داخلية تمر بها الشبكة وضغوط على إدارتها لإثبات قدرتها على تقديم تقارير حصرية، حسب "سي إن إن".
مع ذلك، نفى البنتاغون رواية "سي إن إن" ووصف القصة بأنها "كذبة محضة"، مؤكدًا أن القرار كان طوعيًا لكل طيار، وأن الوزارة حرصت على حماية أمن العمليات.



