خبرني - ارتفع معدل التضخم عند مستوى الجملة في أمريكا الشهر الماضي بعد أن كان قد تباطأ في وقت سابق من هذا الصيف، وذلك في ظل استمرار ارتفاع التكاليف نتيجة لصعود أسعار النفط والغاز الناجم عن الحرب في إيران.
أعلنت الحكومة الأمريكية الخميس أن مؤشر أسعار المنتجين الصادر عن وزارة العمل، والذي يرصد معدلات التضخم قبل وصولها إلى المستهلكين، قد ارتفع بنسبة 5.4% في شهر أغسطس/آب مقارنة بالعام السابق، صعودا من 4.8% في شهر يوليو/تموز.
وكان التضخم السنوي لأسعار الجملة قد بلغ ذروته هذا العام عند 5.9% في شهر مايو/أيار، وذلك عقب ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة للتوترات المتعلقة بإيران.
وعلى أساس شهري، سجلت أسعار الجملة ارتفاعا بنسبة 0.4% في الفترة ما بين يوليو/تموز وأغسطس/آب، وذلك بعد زيادة بلغت 0.1% في الشهر السابق.
ورغم ظهور بعض المؤشرات على تباطؤ التضخم في الأشهر الأخيرة، إلا أنه لا يزال عند مستويات مرتفعة، مما يثير استياء المستهلكين الذين يواجهون أعباء ارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية والملابس وغيرها من الضروريات.
وقد تجاوزت أسعار النفط الأمريكية حاجز 100 دولار للبرميل الخميس وسط تجدد القتال في الشرق الأوسط، في حين صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربه التجارية مع كندا، مما يشير إلى احتمالية استمرار الرسوم الجمركية في دفع التكاليف نحو الارتفاع.
مأزق الانتخابات
ويُشكل هذا الارتفاع في الأسعار تحدياً سياسياً لإدارة ترامب وللجمهوريين الذين يخوضون انتخابات التجديد النصفي.
في تصريح لافت الأربعاء، قال ترامب إن أسعار النفط لن تنخفض على الأرجح إلا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، لكنه أضاف أن الأسعار ستهبط فور انقضاء الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني.
وقال ترامب: "مباشرة بعد الانتخابات، ستشهد أسعار النفط هبوطا حادا"، مضيفا: "أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتا أطول قليلا من موعد انتخابات التجديد النصفي".
وفقا لوكالة أسوشيتد برس، ارتفعت تكلفة الغالون الواحد من البنزين العادي بنسبة 44% منذ الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر شهر فبراير/شباط، وذلك وفقا لبيانات صادرة عن جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
كما شهد سعر الديزل الذي يُستخدم في مجالات التصنيع والشحن والنقل، ويلعب دورا محوريا في تحديد أسعار المنتجين والمستهلكين قفزة هائلة بلغت 59% خلال الفترة نفسها.
وعند استبعاد فئتي الغذاء والطاقة اللتين تتسمان بالتقلب، سجلت الأسعار الأساسية ارتفاعا بنسبة 0.2% في الفترة ما بين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وهي النسبة ذاتها المسجلة في الشهر السابق. أما على أساس سنوي، فقد ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 4.6%، مقارنة بـ4.2% في شهر يوليو/تموز.
أسعار الطاقة
كانت أسعار الطاقة عاملا رئيسيا في الزيادة المسجلة الشهر الماضي، وذلك بالتزامن مع تصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط؛ إذ قفز سعر الجملة للديزل بنسبة 24.1% في الفترة ما بين يوليو/تموز وأغسطس/آب وحدهما، مسجلا ارتفاعا إجماليا يقارب 78% مقارنة بالعام السابق.
ونظرا لاستخدام الديزل كوقود لشاحنات النقل الثقيلة التي تنقل البضائع في أنحاء البلاد، فإن هذا الارتفاع قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الغذائية والملابس وغيرها من المنتجات؛ وقد ارتفعت تكاليف الشحن بالفعل بنسبة 2.3% خلال الشهر الماضي وحده.
شملت البنود الأخرى التي شهدت قفزة في الأسعار كلا من تذاكر الطيران، وخدمات الرعاية في المستشفيات، والمكونات الإلكترونية التي ارتفعت أسعارها مدفوعة بالإنفاق الهائل على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة طفيفة بلغت 0.1% فقط الشهر الماضي، مما قد يشير إلى احتمال تباطؤ وتيرة ارتفاع تكاليف السلع الغذائية؛ كما انخفضت أيضاً أسعار خدمات الكهرباء.
ماذا عن الاحتياطي الفيدرالي؟
ستخضع أرقام الخميس لتدقيق دقيق للغاية؛ إذ قد تساعد في تحديد ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل خلال اجتماع السياسة النقدية المقرر عقده الأسبوع المقبل.
وتُستخدم بيانات مؤشر أسعار المنتجين في حساب مقياس التضخم الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي، والمقرر صدوره في 30 سبتمبر/أيلول.
شهد الشهر الماضي ارتفاعا في تكاليف السفر الجوي وخدمات المستشفيات والأطباء، حيث قفزت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 4.2%. ونظراً لأن هذه البنود تدخل ضمن مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، فإن ارتفاعها قد يعزز احتمالية رفع أسعار الفائدة.
وفي هذا السياق، كتب كبير الاقتصاديين لمنطقة أمريكا الشمالية في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس"، ستيفن براون، أن التضخم عند مستوى أسعار الجملة "لا يزال يبدو مرتفعا نسبيا، مما يرجح قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة هذا العام، حتى وإن لم يتخذ هذه الخطوة خلال الشهر الجاري".
وتكتسب بيانات مؤشر أسعار المستهلك، المقرر صدورها الجمعة، أهمية بالغة؛ إذ تعد أبرز تقارير التضخم التي تصدرها الحكومة، كما تستخدم أرقام هذا التقرير في إعداد مقياس التكاليف الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي.
مؤشر أسعار المستهلك
ويرى خبراء اقتصاديون أن التقرير قد يُظهر تباطؤا في الأسعار الأساسية خلال شهر أغسطس/آب.
وقد صرح بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بأنهم سيميلون إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماع البنك المركزي الأسبوع المقبل إذا جاءت قراءة مؤشر أسعار المستهلك الجمعة مرتفعة، أما إذا جاءت منخفضة نسبيا كما حدث في شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز فسيؤيدون إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير.
تتمثل الأهداف الرئيسية للاحتياطي الفيدرالي في دعم الحد الأقصى للتوظيف ومكافحة التضخم من خلال الحفاظ على استقرار الأسعار؛ حيث يقوم البنك برفع تكاليف الاقتراض للحد من الإنفاق وإبطاء وتيرة التضخم.
وفي خطاب بارز ألقاه أواخر الشهر الماضي، قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، إن البنك المركزي بحاجة إلى أن يكون "واثقا من أن التضخم الأساسي يتحرك" نحو هدفه البالغ 2%، مضيفا: "وإلا، فسيكون أمامنا عمل يتعين علينا القيام به"؛ وهي تصريحات دفعت العديد من الخبراء الاقتصاديين لتوقع رفع أسعار الفائدة الأسبوع المقبل.
ومن بين الشواغل الرئيسية الأخرى للاحتياطي الفيدرالي ما إذا كان التضخم مدفوعًا في الغالب بعوامل استثنائية مثل ارتفاع أسعار النفط والغاز، أم أن ارتفاع الأسعار ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد. وقد أشار وارش في تصريحاته قبل أسبوعين إلى أن أكثر من نصف فئات السلع والخدمات البالغ عددها 199 فئة، والتي تتابعها الحكومة، قد سجلت زيادات في الأسعار لا تقل عن 3% مقارنة بالعام الماضي، وهو رقم مرتفع بشكل غير معتاد.



