*
الخميس: 10 أيلول 2026
  • 10 أيلول 2026
  • 16:51
أسرع من رمشة العين بـ200 مرة  كائن وحيد الخلية يمهد لصناعة عضلات أكثر قوة

خبرني - في أقل من 5 أجزاء من الألف من الثانية، يستطيع كائن وحيد الخلية تقليص جسمه إلى ربع طوله تقريبًا، بسرعة تفوق حركة رمشة عين الإنسان بمئتي مرة، فيما  نجح العلماء في تحديد الآلية التي تمنحه هذه القدرة الاستثنائية، في اكتشاف قد يمهد الطريق أمام تطوير عضلات اصطناعية أسرع وآلات خلوية صناعية أكثر كفاءة.

قد يبدو الأمر أشبه بحركة بسيطة تحت المجهر، لكنه في الحقيقة يمثل واحدة من أسرع الحركات المعروفة في عالم الكائنات الحية.

فالكائن المجهري الذي يسمى " Spirostomum ambiguum " وهو من الكائنات وحيدة الخلية التي تعيش في البيئات المائية، قادر على الانكماش بصورة مذهلة خلال أقل من خمسة أجزاء من الألف من الثانية، بحيث يصبح طوله نحو ربع حجمه الأصلي.

ويتحرك هذا الكائن بسرعات تصل إلى نحو 100 طول من أطوال جسمه في الثانية، كما يستطيع تكرار عملية الانكماش بسرعة كبيرة، وهي قدرة يعتقد العلماء أنها قد تساعده على الهروب من الحيوانات المفترسة أو التفاعل مع الكائنات الأخرى من نوعه.

فيما فك العلماء لغز هذه الحركة على الرغم من أنه يعتبر  كائن لا يمتلك عضلات تقليدية ، حيث كشفت الدراسة الجديدة التي أجروها أن سر هذه السرعة يكمن في شبكة بروتينية غير مألوفة، تمتد داخل جسم الكائن وتشبه في شكلها شبكة صيد دقيقة.

واستخدم الباحثون تقنيات متقدمة، من بينها المجهر الإلكتروني والمجهر الفلوري المناعي، لفحص البنية الداخلية للكائن وتتبع الآلية المسؤولة عن انكماشه.

وأظهرت النتائج أن أيونات الكالسيوم تلعب دورًا أساسيًا في إطلاق عملية الانكماش، بينما تتولى شبكة بروتينية مميزة تنفيذ الحركة نفسها.

تراكيب ليفية
وعلى عكس الإنسان والحيوانات الأخرى، لا يمتلك Spirostomum  أليافًا عضلية تقليدية. وبدلًا من ذلك، يحتوي على تراكيب ليفية تعرف باسم الخيوط العضلية ، والتي تتكون من بروتينات قادرة على الارتباط بالكالسيوم، أبرزها Centrin وSfi1.

وتنتظم هذه التراكيب داخل الكائن في هيئة شبكة شبيهة بشبكة الصيد، تمتد على الجزء الخارجي من الخلية.

وعندما تبدأ إشارة الانكماش، تنقبض الشبكة بسرعة شديدة، فتسحب جسم الكائن إلى الداخل، قبل أن تعود إلى شكلها الأصلي.

وتكمن أهمية شكل الشبكة في أنها تسمح للكائن بالانكماش بصورة متجانسة ومنتظمة بدلًا من انهيار جزء من جسمه على حساب أجزاء أخرى.

وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن الخلية تحتوي في داخلها على تراكيب تؤدي وظائف شبيهة بوظائف الأعضاء في الكائنات متعددة الخلايا، وأي انكماش عنيف وغير منتظم قد يؤدي إلى الإضرار بها.

انكماش
وتوضح ماري إلتن، الأستاذة المشاركة في الفيزياء الحيوية بجامعة ولاية كارولاينا الشمالية والباحثة المشاركة في الدراسة، أن هندسة الشبكة تتيح للكائن الانكماش بصورة موحدة، وهو ما يحمي مكوناته الداخلية رغم السرعة الهائلة للحركة.

لكن السر لا يكمن في شكل الشبكة فقط، حيث اكتشف الباحثون أن بروتين Sfi1 يمتلك قدرة لافتة على تغيير خصائصه الفيزيائية.

ففي وجود أيونات الكالسيوم، يفقد البروتين جزءًا من صلابته ويتجمع بطريقة تشبه كرة من خيوط السباغيتي المبللة، وهو تغير يؤدي إلى شد شبكة الخيوط العضلية وانكماش جسم الكائن.

وهذه الخاصية توفر تفسيرًا ميكانيكيًا مهمًا للسرعة الاستثنائية.

فبدلًا من الاعتماد على منظومة العضلات التقليدية لدى الإنسان، والتي تتطلب سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية لإنتاج الحركة، يستجيب نظام Spirostomum مباشرة لإشارة الكالسيوم، ما يسمح بحدوث الانكماش بسرعة مذهلة.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفاجآت إثارة في الدراسة، إذ تعتمد عضلات الإنسان على جزيء ATP، أو أدينوسين ثلاثي الفوسفات، لتوفير الطاقة اللازمة للانقباض والحركة.

أما Spirostomum فيستخدم آلية مختلفة جذريًا.

طاقة مخزنة
وتشبّه إلتن الفرق بين النظامين بالمقارنة بين محرك يعمل بالوقود ونظام يعمل بالكهرباء، إذ يخضع ATP لتفاعل كيميائي يستهلك الطاقة المخزنة فيه، في حين يعمل الكالسيوم في نظام الكائن المجهري أشبه بتيار كهربائي يطلق العملية.

لكن العلماء لا يزالون أمام لغز مهم وهو  من أين تأتي الإشارة التي تبدأ «تيار» الكالسيوم، وكيف يعيد الكائن ضبط النظام بعد انتهاء الانكماش؟

هذه النقطة تحديدًا تمثل أحد أكبر الأسئلة التي لم تجد الدراسة إجابة نهائية عنها حتى الآن.

تفاعلات
فالتفاعلات التي يطلقها الكالسيوم يُفترض، نظريًا، أن تكون أشبه بآلية تعمل مرة واحدة، ما لم توجد منظومة أخرى تعيد المكونات إلى حالتها الأصلية.

وقد تكون الإجابة، في نهاية المطاف، خطوة جديدة نحو تطوير آلات ومواد اصطناعية تتحرك بالسرعة التي أتقنتها الطبيعة قبل وقت طويل من ظهور التكنولوجيا الحديثة، لتحسين العضلات في المستقبل.

مواضيع قد تعجبك