خبرني - تقدم العمر لا يعني حتمًا تراجع القدرات العقلية، فبعض وظائف الدماغ تضعف تدريجيًا بينما تحافظ أخرى على كفاءتها أو تتحسن مع السنوات.
يُنظر إلى التقدم في العمر باعتباره أحد أبرز العوامل المرتبطة بأمراض الدماغ، لكن ذلك لا يعني أن تراجع القدرات العقلية يحدث بالضرورة لدى الجميع. فلا يوجد عمر محدد تبدأ عنده وظائف الدماغ في الانخفاض بصورة موحدة، إذ تختلف التغيرات من شخص إلى آخر، كما أن بعض القدرات الإدراكية تتراجع في مراحل مبكرة نسبيًا، بينما تبقى قدرات أخرى مستقرة أو تتحسن مع التقدم في السن.
ومن بين الوظائف التي قد تبدأ في التراجع تدريجيًا منذ الثلاثينات أو الأربعينات سرعة معالجة المعلومات والذاكرة العاملة، في حين يمكن لمهارات مثل المعرفة المتراكمة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات أن تحافظ على استقرارها، بل وقد تتطور خلال مراحل متقدمة من العمر.
وكان العلماء يعتقدون في السابق أن الروابط العصبية في الدماغ تتطور بسرعة خلال السنوات الأولى من الحياة، قبل أن يصل الإنسان إلى ذروة قدراته العقلية في أوائل العشرينات. ووفق هذا التصور، كانت القدرات الإدراكية تستقر خلال منتصف العمر تقريبًا، ثم تبدأ في التراجع تدريجيًا بعد ذلك.
لكن نتائج الأبحاث الحديثة قدمت صورة أكثر تعقيدًا، إذ بات العلماء ينظرون إلى الدماغ باعتباره عضوًا يواصل التغير والتطور طوال حياة الإنسان، وليس عضوًا يصل إلى مرحلة ثابتة ثم يبدأ في التراجع بصورة متواصلة.
وبعبارة أخرى، لا توجد فترة عمرية تظل خلالها وظائف الدماغ ثابتة تمامًا. فبينما تضعف بعض الوظائف الإدراكية مع التقدم في العمر، يمكن أن تتحسن وظائف أخرى، وفقًا لما أورده موقع «هارفارد».
كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر؟
تشهد بعض مناطق الدماغ تغيرات مع مرور السنوات، ومن بينها الحُصين، وهو جزء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعمليات الذاكرة. كما يمكن أن يتآكل غلاف المايلين المحيط بالألياف العصبية، والذي يعمل على حمايتها، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء سرعة الاتصال بين الخلايا العصبية.
كذلك، قد لا تعمل بعض المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا العصبية، والتي تتيح للخلايا التواصل مع بعضها، بالكفاءة نفسها التي كانت عليها في مراحل عمرية سابقة. ويمكن أن تؤثر هذه التغيرات في قدرة الدماغ على ترميز المعلومات الجديدة داخل الذاكرة، وكذلك في استرجاع المعلومات التي سبق تخزينها.
لكن هذه التغيرات لا تعني أن جميع قدرات الدماغ تتجه في المسار نفسه. ففي المقابل، يزداد تفرع التغصنات العصبية، كما تصبح الروابط بين مناطق الدماغ المتباعدة أكثر قوة.
وتساعد هذه التغيرات الدماغ، مع التقدم في العمر، على تحسين قدرته على اكتشاف الروابط بين مصادر المعلومات المختلفة، وفهم الصورة الأشمل، واستيعاب التداعيات العامة لقضايا محددة. وقد تكون هذه القدرات من الأسس التي ترتبط بتطور الحكمة والخبرة مع مرور السنوات.
وبصياغة أبسط، يمكن أن يصبح الدماغ مع التقدم في العمر أكثر قدرة على رؤية الصورة الكبيرة وربط المعلومات ببعضها، في الوقت الذي قد تقل فيه قدرته على التركيز على التفاصيل الدقيقة بالسرعة نفسها التي كان عليها في مراحل الشباب.
أمور قد تسبب ضعفًا إدراكيًا
يُعد التقدم في السن عامل خطر رئيسيًا لعدد كبير من أمراض الدماغ، التي يؤثر كثير منها في بنية الدماغ ووظائفه.
ففي مرض ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، يمكن أن تتراكم بروتينات غير طبيعية داخل الدماغ، إلى جانب تكوّن لويحات وتشابكات تؤدي إلى تلف أنسجة الدماغ. كما أن بعض الأمراض التي تصبح أكثر شيوعًا لدى كبار السن، ومن بينها السكري وأمراض القلب، يمكن أن تؤثر بدورها في الوظائف الإدراكية.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة في الدماغ على الأمراض، إذ يمكن لبعض الأدوية، وضعف البصر والسمع، وقلة النوم، والاكتئاب، أن تؤثر في وظائف الدماغ، ومن ثم في القدرات الإدراكية.
ومع تراكم هذه العوامل والتغيرات الطبيعية، قد يبدأ الإنسان في ملاحظة تراجع بسيط في الذاكرة خلال منتصف العمر وما بعده. فقد يعرف الشخص اسم صديق قديم ويشعر بأن الاسم حاضر في ذهنه، لكنه لا يستطيع استحضاره كاملًا في اللحظة نفسها، أو قد يجد صعوبة مؤقتة في تذكر كلمة معينة يريد استخدامها.
ولا تعني مثل هذه المواقف البسيطة بالضرورة وجود مرض عصبي، إذ يمكن أن تحدث في سياق التغيرات الطبيعية المرتبطة بالعمر، مع اختلاف شدتها وتكرارها من شخص إلى آخر.
كيف تحافظ على صحة دماغك مع التقدم في العمر؟

يمكن أن يساعد الاهتمام بصحة الدماغ مع التقدم في السن في تقوية الروابط العصبية والحد من تراكم اللويحات التي قد ترتبط بالخرف ومرض ألزهايمر. وهناك مجموعة من العادات التي يمكن إدخالها إلى الحياة اليومية للمساعدة في الحفاظ على وظائف الدماغ وقدراته.
اتباع نظام غذائي صحي
ينصح بالحد من تناول الأطعمة المصنعة والحلويات والأطعمة الغنية بالدهون، مع الاعتماد بصورة أكبر على الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين الخالي من الدهون.
وتضم حمية البحر الأبيض المتوسط، وحمية «داش»، وحمية «مايند»، العديد من هذه الأطعمة المرتبطة بصحة الدماغ، وقد أظهرت أبحاث أنها يمكن أن تساعد في دعم صحة الدماغ.
ممارسة الرياضة بانتظام
يمكن للنشاط البدني أن يساعد على نمو خلايا عصبية جديدة في منطقة الحُصين، كما يسهم في مقاومة ضمور الدماغ المرتبط بالتقدم في العمر.
ومن المفيد إدخال الحركة إلى الروتين اليومي، مع استهداف ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني متوسط الشدة أسبوعيًا، إلى جانب أداء تمارين تقوية العضلات مرتين على الأقل كل أسبوع.
الحصول على قسط كافٍ من النوم
يمثل النوم فترة مهمة يعمل خلالها الدماغ على ترسيخ ذكريات اليوم، كما تحدث أثناءه عمليات تساعد الدماغ على التخلص من بعض المخلفات المتراكمة.
وخلال النوم، يتخلص الدماغ بصورة طبيعية من نواتج قد تتراكم مع الوقت وترتبط بمرض ألزهايمر، ولذلك فإن الحصول على نوم كافٍ ومنتظم يمثل جزءًا مهمًا من العناية بالصحة العقلية والإدراكية.
الحفاظ على نشاط العقل
ينطبق مبدأ «استخدمه أو ستفقده» على العديد من وظائف الدماغ، كما ينطبق على القدرات الجسدية. لذلك، من المفيد تحفيز العقل بصورة يومية من خلال تعلم مهارة جديدة، مثل دراسة لغة، أو تعلم العزف على آلة موسيقية، أو ممارسة هواية لم يسبق للشخص تعلمها.
ويساعد الاستمرار في الأنشطة التي تتطلب التفكير والتعلم على إبقاء الدماغ في حالة من النشاط، بدلًا من الاعتماد على الروتين نفسه لفترات طويلة.
التحكم في التوتر
يمكن للتوتر المزمن أن يسرّع بعض مظاهر شيخوخة الدماغ، لذلك فإن تقليل مصادر التوتر المستمر قد يكون مفيدًا للصحة العقلية والإدراكية.
ويمكن لأنشطة مثل اليوغا والتأمل، إلى جانب المشي يوميًا، أن تساعد في تخفيف مستويات التوتر والحد من انعكاساته على الدماغ.
الحفاظ على التواصل الاجتماعي
يمثل التواصل الاجتماعي، سواء من خلال لقاء الأصدقاء بصورة منتظمة أو إجراء المحادثات والتفاعلات اليومية، عنصرًا مهمًا في الحفاظ على نشاط الدماغ.
كما أن استمرار الروابط الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين يوفران قدرًا متواصلًا من النشاط العقلي، ويدعمان الحفاظ على وظائف الدماغ وصحته مع التقدم في العمر.



