*
الثلاثاء: 08 أيلول 2026
  • 08 أيلول 2026
  • 21:23
كائن بلا دماغ يتعلم ويتذكر ويحير العلماء

خبرني - عاد إلى الواجهة العلمية اليوم سؤال غريب مفاده "ماذا لو كان بالإمكان التعلم والتذكر واتخاذ مسارات معقدة من دون دماغ واحد أو خلية عصبية واحدة؟" مع تسليط الضوء على أحد أكثر الكائنات إثارة للدهشة في علم الأحياء ألا وهو العفن الغروي Physarum polycephalum، وهو كائن مجهري لا يمتلك دماغًا ولا جهازًا عصبيًا، لكنه أظهر في تجارب متكررة قدرة لافتة على التكيف مع بيئته وتعديل سلوكه بناءً على ما مر به من تجارب.

والأغرب أن هذا الكائن ليس حيوانًا صغيرًا مختبئًا خلف جهاز عصبي شديد البساطة، بل هو في إحدى مراحله النشطة خلية واحدة ضخمة متعددة الأنوية يمكنها أن تمتد عبر مساحات واسعة.

ويظهر هذا الكائن غالباً على هيئة كتلة أو شبكة هلامية صفراء، ويقضي معظم حياته في البحث عن الغذاء، بما في ذلك البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة الأخرى.

وأظهرت تجارب علمية أن "Physarum polycephalum" يستطيع العثور على أقصر مسار بين مصدرين للغذاء داخل المتاهات، من خلال إعادة تنظيم شبكته الأنبوبية والتخلي عن المسارات الأقل فاعلية.

وفي تجارب أخرى، استطاع تكوين شبكات تحاكي بدرجة لافتة شبكات النقل والسكك الحديدية، من بينها شبكة السكك الحديدية في منطقة طوكيو، بعدما أعاد تنظيم أنابيبه حول مصادر الغذاء بطريقة تحقق كفاءة عالية.

متاهة بلا دماغ
وفي واحدة من أشهر التجارب، وضع الباحثون العفن الغروي داخل متاهات تحتوي على مصدر للغذاء. وبدأ الكائن بالانتشار في اتجاهات متعددة، لكنه مع الوقت تراجع عن المسارات غير المفيدة واحتفظ بالطرق الأكثر كفاءة للوصول إلى الغذاء.

وفي تجارب أخرى، استخدم الباحثون رقائق غذائية لمحاكاة مواقع مدن حول طوكيو، فكوّن العفن الغروي شبكة من الأنابيب تشبه بصورة لافتة شبكة المواصلات في المنطقة.

لكن العلماء يحذرون من وصف ما حدث بأنه "تفكير" أو "فهم للخريطة". فالسلوك يمكن تفسيره أيضًا باعتباره نتيجة لقواعد بيولوجية بسيطة تتعلق بالنمو، واستشعار الغذاء، والتراجع عن المسارات غير المفيدة.


ذاكرة.. ولكن أين؟
هنا تصبح قصة هذا الكائن أكثر غرابة، حيث أظهرت تجارب أن العفن الغروي يترك خلفه مادة مخاطية أثناء تحركه. وعندما يعود إلى منطقة سبق أن استكشفها، يمكن لهذه الآثار أن تؤثر في مساره، بمعنى آخر، لا توجد ذاكرة مخزنة داخل دماغ؛ فالبيئة نفسها قد تصبح جزءًا من نظام الذاكرة.

وكأن الكائن يترك وراءه إشارات تقول: "لقد مررت من هنا بالفعل".

وفي تجارب أخرى نشرتها مجلة "Nature"، عرّض العلماء الكائن لمواد منفرة مثل الكافيين أو الكينين، في البداية، كان يتجنب هذه المواد. لكن بعد التعرض المتكرر، أصبح أقل حساسية لها.

وهذا السلوك يُعرف علميًا باسم التعوّد، وهو أحد أبسط أشكال التعلم.

واللافت أن بعض التجارب أشارت إلى إمكانية استمرار أثر هذا التعلم حتى بعد دخول الكائن في حالة خمول ثم عودته إلى النشاط.

هل نسمي ذلك ذكاء؟
وهنا ينقسم العلماء، ففريق يرى أن القدرة على تعديل السلوك استنادًا إلى المعلومات السابقة تستحق أن توصف، على الأقل، بأنها شكل بدائي من التعلم أو معالجة المعلومات.

في المقابل، يرى علماء آخرون أن استخدام كلمة "ذكاء" قد يكون مضللًا، لأن ما يحدث يمكن أن ينتج عن تفاعلات كيميائية وفيزيائية معقدة من دون وجود وعي أو تفكير أو قرارات بالمعنى الذي نعرفه عند الإنسان.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع تجارب حديثة تحاول اختبار الذاكرة المكانية لدى الكائن في متاهات ثلاثية الأبعاد. ورغم ظهور أنماط سلوكية مثيرة للاهتمام، فإن الباحثين أنفسهم يحذرون من القفز إلى استنتاج أن الكائن "يتذكر" بالطريقة التي يتذكر بها الإنسان أو الحيوان.


السؤال الأكبر
وربما لا تكون المفاجأة في أن العفن الغروي "ذكي"، بل في أن العلماء بدأوا يتساءلون عن معنى الذكاء نفسه.

فإذا كان كائن لا يملك دماغًا يستطيع استشعار بيئته، وتغيير سلوكه، وتجنب مسارات سبق أن استكشفها، والتعوّد على منبهات معينة، فهل وجود الجهاز العصبي شرط ضروري للتعلم؟

لا توجد إجابة حاسمة حتى الآن، لكن هذا الكائن الغريب يضع العلماء أمام فكرة مقلقة ومثيرة في آن واحد، ألا وهي "ربما لا يبدأ الذكاء عندما يظهر الدماغ… وربما تكون بعض أشكاله موجودة في الحياة قبل ظهور الدماغ أصلًا".

مواضيع قد تعجبك