خبرني - قد تبدو السعادة مرتبطة في أذهان كثيرين بالمال أو النجاح أو اللحظات الممتعة، لكن دراسة حديثة تضع عاملًا آخر في مقدمة العناصر التي تجعل الإنسان أكثر رضا عن حياته بأن يشعر بأنه صاحب القرار فيها.
وتشير النتائج إلى أن الحرية في اتخاذ الخيارات والشعور بالسيطرة على مسار الحياة قد يمنحان الإنسان إحساسًا بالرضا يتجاوز تأثير المشاعر الإيجابية العابرة، حتى عندما تقوده قراراته إلى تجارب صعبة أو تتطلب جهدًا كبيرًا.
وتقول لوري سانتوس، عالمة الإدراك المتخصصة في علم الرفاهية بجامعة ييل، إن السعادة الحقيقية قد تأتي في نهاية المطاف مما يفعله الإنسان مع الآخرين، ومن قدرته على بناء حياة جيدة بمعناها الأوسع.
والبحث عن مكونات "الحياة الطيبة" ليس جديدًا، إذ شغل الفلاسفة منذ آلاف السنين، وكان الفيلسوف اليوناني إبيقور من بين الذين تناولوا القضية قبل أكثر من 2300 عام، واضعًا الصداقة ضمن ثلاثة عناصر أساسية للحياة الجيدة.
هل الحرية هي السر؟
الدراسة الجديدة، التي نُشرت في "مجلة علم النفس الإيجابي"، أجراها الباحثان في علم النفس بجامعة تورنتو جيسون دبليو باين وأولريش شيمك، وركزت على العوامل التي يستخدمها الأشخاص للحكم على جودة حياتهم.
وانطلق الباحثان من رؤيتين مختلفتين للسعادة؛ الأولى ترى أن الرفاهية ترتبط بصورة أساسية بالحصول على المتعة وتجنب التجارب غير السارة.
أما الرؤية الثانية فتذهب إلى أن الحياة الجيدة لا يمكن اختزالها في الشعور بالسعادة اللحظية، وأن الإنسان قد يجد قيمة ومعنى في تجارب صعبة أو مرهقة لا تمنحه بالضرورة شعورًا فوريًا بالراحة.
ويظهر ذلك، على سبيل المثال، عند رعاية شخص مريض من أفراد الأسرة؛ فالتجربة قد تكون شاقة نفسيًا وجسديًا، لكنها في الوقت نفسه قد تحمل قيمة كبيرة بالنسبة لمن يقوم بها.
3 احتياجات نفسية
وركز الباحثان على ثلاثة احتياجات نفسية أساسية حددتها "نظرية تقرير المصير"، وهي الترابط والكفاءة والاستقلالية.
ويشير الترابط إلى امتلاك الإنسان علاقات ذات معنى مع الآخرين، بينما تعني الكفاءة شعوره بالقدرة والفاعلية في التعامل مع حياته ومحيطه.
أما الاستقلالية، فتعني أن يشعر الشخص بأن قراراته وأفعاله نابعة من اختياره، وليست مفروضة عليه من الآخرين أو الظروف المحيطة.
وحاول الباحثان معرفة ما إذا كانت هذه الاحتياجات تؤثر في تقييم الأشخاص لحياتهم بمعزل عن حالتهم العاطفية في اللحظة التي يُسألون فيها عن مدى سعادتهم.
عامل مختلف عن البقية
وأظهرت النتائج ارتباط الاحتياجات الثلاثة جميعها بدرجات متفاوتة من الرضا عن الحياة، لكن الباحثين لاحظوا فارقًا مهمًا بينها.
فالترابط والكفاءة ارتبطا بالرضا عن الحياة إلى حد كبير من خلال المشاعر الإيجابية التي يولدانها لدى الأشخاص، بينما قدمت الاستقلالية تأثيرًا مختلفًا.
فالأشخاص الذين شعروا بأنهم يتمتعون بقدر أكبر من الاستقلالية سجلوا مستويات أعلى من الرضا عن حياتهم، حتى بعد احتساب مدى إيجابية أو سلبية مشاعرهم تجاه الجوانب الأخرى منها.
وقال باين إن الأشخاص الذين شعروا باستقلالية أكبر ظلوا أكثر رضا عن حياتهم حتى بعد أخذ مشاعرهم الإيجابية والسلبية في الاعتبار.
وأضاف أن الاستقلالية كانت الحاجة النفسية الوحيدة التي قدمت شيئًا إضافيًا لم تستطع المشاعر وحدها تفسيره.
السعادة ليست مجرد متعة
ولا تعني النتائج أن المتعة والمشاعر الإيجابية غير مهمة، إذ وجد الباحثون أن المشاعر الإيجابية والسلبية فسرت بالفعل جزءًا كبيرًا من الطريقة التي يحكم بها المشاركون على رضاهم عن حياتهم.
لكن الدراسة تشير إلى أن اختزال السعادة في المشاعر الجيدة وحدها قد لا يقدم الصورة كاملة، تمامًا كما أن التركيز على المعنى وحده لا يكفي لتفسيرها.
وبحسب الباحثين، يبدو أن الإنسان يستند إلى مزيج من الأمرين عندما يقرر ما إذا كان راضيًا عن حياته أم لا.



