*
السبت: 05 أيلول 2026
  • 05 أيلول 2026
  • 21:48
أنفاسٌ غضّة في باطن الأرض كيف أعاد أيوب ترتيب هذا العالم

خبرني - ثمة جغرافيا قاسية لا تعترف بالبراءة، تلك التي تضع طفلاً في العاشرة من عمره في مواجهة طويلة مع الظلام، في مكان لا ينتمي لأحلام الصغار.

في باطن الأرض، لا يُقاس الوقت بالساعات أو الدقائق، بالنسبة لأيوب، الصبي الذي باغتته العتمة في لحظة غفلة طفولية، بل تمر الثواني أطول، وأثقل، وربما أكثر قسوة مما يمكن لطفل في العاشرة أن يحتمل.

ففي هذا العمر، ساعة واحدة تُحتسب دهراً من الانتظار، يتشابك فيها الخوف بالبراءة..

 كيف يحاول عقله الغضّ التشبث بآخر صورة للضوء؟.. هل يتخيل أن أمه تقف وراء الجدار مباشرة؟ أم يحسب أن العالم قد تجاوز قصته؟.

في تلك المسافة الضيقة، يخوض أيوب معركة صامتة مع الوحشة، لا يملك فيها سوى صوته ليثبت به وجوده للكون، فيعلو بكاؤه مستحثّاً المنقذين لإخراجه بعد أن أحس بالكاميرا التي أنزلوها ليتفقدوا أنفاسه.. الدليل الوحيد على أن أيوب لا يزال هناك، وأن ثمة حياة تنتظر أن تصل إليها يد من الأعلى.

وعلى خط التماس بين الأمل والخوف، ينشأ رابطٌ إنساني فريد.. الصوت الحنون المقبل من الأعلى. رجل الإنقاذ المحشور في ضيق الممر أو المطلّ على الفتحة، لا يمارس واجبه الميداني فحسب، بل يتحول إلى شريان الأمل الوحيد للطفل.. يهمس له بكلمات دافئة، يبسط لغة الكبار ليُطمئِن قلبه الصغير، يحمل على كاهله ضمير أمّة كاملة تتنفس من خلال "ميكروفونه"، ولا يغيب عن تفكيره أن كل نبرة من صوته هي الفاصل بين صمود الطفل وسقوطه في اليأس.

وفي بيت أيوب، تتوقف الحركة وتتجمّد الأشياء عند لحظة الحادثة. حذاؤه المتروك عند العتبة، حقيبته الملقاة، وطبق طعامه الذي لم يكتمل.. كلها تحوّلت فجأة إلى مقتنيات شبه مقدّسة، لا تنفك تذكّر الأسرة بأن تفاصيل حياتهم البسيطة قبل هذه اللحظة كانت نعيماً لم يدركوا قيمته...

وبينما تعيش العائلة أقسى درجات العذاب النفسي، يترقبون صوته في الأعلى، معلقين بين رجاء سماع أنفاسه ورعب السكوت المفاجئ.

لكن هذه الفتحة الضيقة في الأرض لم تبقَ مجرد حادث فردي، بل يبدو أنها تحولت إلى مركز لالتقاء المشاعر الإنسانية. وشيئاً فشيئاً، تلاشت الخلافات اليومية، وصمتت الضوضاء، واجتمعت القلوب في الجزائر وخارج حدودها حول فوهة واحدة.. حيث أدرك الملايين ضعفهم الفردي أمام الطبيعة، لكنهم اكتشفوا في الوقت نفسه قوتهم الجماعية حين اتحدت الدعوات والعيون الشاخصة نحو الشاشات.

وربما لهذا السبب تذكّر كثيرون قصة الطفل المغربي "ريان"، التي هزت العالم في عام 2022. والتي يرجون ألا تتكرّر نهايتها المأساوية مع أيوب.

ورغم أن أيوب لا يعرف كم شخصاً ينتظر خروجه، ولا يدرك إلى أين وصل صوته الخائف بعيداً عن قريته، إلا أن ذاك الطفل وهو في أعمق نقطة من الظلام، أعاد تذكير هذا العالم المشتت بأبسط وأعمق ما فيه.. ألا وهو "إنسانيته".

مواضيع قد تعجبك