قد يهملها سنوات وهي زوجته، لا يسأل عن مشاعرها، ولا يفكر او يخاف ان يخسرها وقد تخرج من تحت سيطرته، واحيانا هو من اتخذ قرار الطلاق، لكن ما إن يسمع أن رجلاً آخر تقدم للزواج منها، حتى يستيقظ فجأة شيء لم يكن ظاهراً طوال سنوات الزواج، فهل اكتشف أنه يحبها بعد الطلاق، أم أن ما يؤلمه فعلاً هو أنها لم تعد له واصبحت حره ولا قرار له في حياتها؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لجميع الحالات، ولا يمكن اختزال غيرة الرجل بعد الطلاق في التملك وحده، فقد يكتشف الإنسان قيمة العلاقة بعد فقدانها فعلاً، وقد يشعر بالندم أو الحنين، لكن علم النفس يقدم تفسيراً آخر مهماً، وهو أن فقدان العلاقة لا يعني فقط فقدان شخص، بل قد يعني أيضاً فقدان المكانة والسيطرة والدور الذي اعتاد الإنسان أن يشغله في حياة الآخر.
أثناء الزواج قد يعتاد الرجل وجود زوجته تلقائيا في حياته إلى درجة أنه لا يقدر قيمة ذلك ولا يضح احتمال إمكانية فقدانها، يعرف أين هي، ومع من، وكيف تعيش، ويشعر، بوعي أو دون وعي، أنه يحتل موقعاً ثابتاً في حياتها، لذلك قد لا تظهر الغيرة بقوة، لكن الطلاق يسحب منه هذا الموقع، وتصبح المسألة أكثر حساسية وقوة عندما يدخل رجل آخر إلى حياتها.
هنا لا يعود الطلاق مجرد ورقة انتهت بها العلاقة، بل يصبح الفقد حقيقياً ونهائياً، امرأة كانت زوجته ستختار رجلاً آخر، وقد تحبه، وتبني معه حياة جديدة، وربما تحصل معه على اهتمام أو استقرار لم تحصل عليه في زواجها السابق، وهذا قد يثير لدى بعض الرجال ما يسميه علم النفس تهديد الأنا، فالوجع هنا ليس بالضرورة، أريدها، بل قد يكون، كيف استمرت حياتها بدوني؟ كيف استطاعت ان تستقل وتاخذ قراراتها دون العودة لي؟ وهل أصبحت سعيدة من دوني؟
وهنا يظهر الفرق الكبير بين الحب والتملك، الحب يقول، أتمنى أن تكوني بخير حتى لو لم نعد معاً، أما التملك فيقول، لا أريدك معي، لكنني أيضاً لا أحتمل أن تكوني مع غيري، وقد تزيد الثقافة الاجتماعية الأمر تعقيداً، عندما تستمر النظرة إلى المطلقة وكأنها ما تزال مرتبطة رمزياً بزوجها السابق، فيُنظر إلى زواج الرجل بعد الطلاق باعتباره بداية طبيعية لحياة جديدة، بينما قد يشعر بعض الرجال بأن زواج طليقته يمس مكانتهم أو صورتهم الاجتماعية.
لكن أخطر ما يحدث أن تتحول هذه المشاعر إلى سلوك، ومراقبة، وتشويه سمعة، وتعطيل زواج، وتهديد، أو استخدام الأطفال لمعرفة تفاصيل حياتها، وهنا نكون قد تجاوزنا الغيرة الطبيعية إلى محاولة استمرار السيطرة بعد انتهاء الحق في العلاقة، والأطفال تحديداً يجب ألا يتحولوا إلى أدوات في هذا الصراع، فمن حق الأب أن يبقى أباً، ومن حق الأم أن تبقى أماً، لكن ليس من حق أي منهما استخدام الأبوة أو الأمومة للتحكم في الحياة العاطفية للطرف الآخر.
والاختبار الحقيقي للحب بعد الطلاق ليس مقدار غيرتك عندما يتقدم شخص آخر إليها، بل قدرتك على احترام حقيقة مؤلمة، أن العلاقة انتهت، وأن الإنسان الذي كان شريك حياتك أصبح حراً في اختيار حياته من جديد، فالطلاق ينهي الزواج، لكنه لا يمنح أحداً حق الوصاية على مستقبل الآخر، وقد تكون أقسى حقيقة نكتشفها بعد بعض حالات الطلاق أن الرجل لم يغضب عندما خسر زوجته، بل عندما اكتشف أنها تستطيع أن تبدأ حياة جديدة تكون سعيدة بدونه.
وفي النهاية، لا يقول علم النفس إن كل غيرة بعد الطلاق هي حب، ولا إن كل غيرة هي تملّك، فالانفصال قد يوقظ مشاعر الفقد والتعلق وجرح الرفض وتهديد الأنا، وهي استجابات إنسانية مفهومة، لكن الحد الفاصل يظهر في السلوك، أن تتألم لأن شخصاً كان جزءاً من حياتك أصبح مع غيرك، فهذا شعور، أما أن تعتقد أن ألمك يمنحك الحق في مراقبته أو تعطيل زواجه أو التحكم في خياراته، فهنا تنتقل المسألة من الغيرة إلى السيطرة والتملك والتحكم غير المشروع.
فالطلاق لا يحتاج فقط إلى قرار قانوني ينهي الزواج، بل إلى انفصال نفسي يعترف بأن العلاقة انتهت، وأن للطرف الآخر حياة لا نملك إدارتها بعد اليوم، وربما يكون النضج الحقيقي بعد الطلاق هو أن نفهم أن من حقنا أن نحزن على من فقدنا، لكن ليس من حقنا أن نمنعه من أن يعيش لأنه لم يعد يعيش معنا، فالحب قد يتألم عندما يراك مع غيره، أما التملّك فيعتقد أن انتهاء علاقة الرجل بالمراة بعد الطلاق يعني انتهاء حقها في أن تحب وتبدأ حياة جديدة من بعده.



