خبرني - إنه المتحف العام الوحيد المخصص للكرات الأرضية، ويحكي، حرفياً، قصة عالمنا، المتحف الجميل والسريالي والفارغ بشكل مخيف: متحف الكرات الأرضية في فيينا.
في ظهيرة باردة من أيام فيينا، كانت طوابير الزوار تمتد من أمام باب المكتبة الوطنية النمساوية وتلتف حول ساحة جوزيفسبلاتز، وبعد أن فشلت في العثور على تذاكر دخول في عدد من المعالم القريبة المكتظة، قررت الابتعاد عن الزحام.
وهكذا قادتني المصادفة إلى متحف أصغر وأقل شهرة، يقع داخل قصر بالايس مولارد التاريخي الذي يعود إلى القرن السابع عشر، وهو المتحف العام الوحيد في العالم المخصص بالكامل للكرات الأرضية، ويُعد واحداً من أعظم مفاجآت المدينة.
عوالِم مختلفة
سرعان ما أدركت أنني أتجول في عالم آخر، أو لأكون أكثر دقة، في عدة عوالم.
ففي هذا المكان الهادئ، الواقع على بُعد خطوات قليلة من أشهر معالم المدينة وأكثرها ازدحاماً، يعرض متحف غلوب في فيينا أكثر من 220 كرة أرضية قديمة ونادرة، يعود معظمها إلى ما قبل عام 1850، بدءاً من الكرات الضخمة التي صنعها رسام الخرائط الإيطالي فينتشنزو كورونيللي، وصولاً إلى كرات صغيرة قابلة للطي يمكن حملها في الجيب.
لكن هذه المجموعة من الكرات لا تحكي تاريخ الجغرافيا فحسب، بل تكشف أيضاً الطريقة التي تخيل بها البشر كوكب الأرض والسماء من حولهم عبر القرون.
يقول مدير المتحف، نيكولاوس شوبيسبرغر، "تُظهر الكرات الأرضية كيف تغير تصورنا لكوكبنا، وهذا هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكنك فيه رؤية هذا العدد الكبير منها معاً".
يبدأ الزائر جولته في ما يعرف بـ"الخزانة الذهبية"، وهي قاعة فاخرة تزينها جداريات عمرها قرون تصور مشاهد من الأساطير اليونانية. وتضم القاعة أدوات فلكية وجغرافية، بينها مجسمات توضح دوران الأرض حول الشمس، وكرات سماوية تستخدم لتمثيل حركة الأجرام السماوية.
ثم يقود المسار إلى أربع قاعات رئيسية يغلب عليها صمت شديد، حتى إن الزائر يكاد يسمع خطواته بين خزائن العرض الزجاجية.
ومن بين أكثر القطع إثارة كرتان تعودان إلى منتصف القرن السادس عشر، إحداهما أرضية والأخرى سماوية، صنعهما الحرفي نفسه بفارق نحو عشر سنوات.
تظهر في الكرة الأرضية الأولى أوروبا والبحر المتوسط وسواحل أفريقيا، كل الأماكن بأسمائها: بينما تبدو أمريكا الشمالية وكأنها تتلاشى في مناطق قطبية لم تكن معروفة آنذاك، تبدو آسيا مشوهة، وتظهر قارة جنوبية متخيلة بدلاً من أستراليا والقارة القطبية الجنوبية، بينما تنتشر وحوش بحرية في المحيط الهادئ في أماكن توجد فيها جزر معروفة اليوم. وفي الكرة السماوية، تختلط المعارف الفلكية في عصر النهضة بشخصيات الأساطير اليونانية، مثل أسطورة الحصان المجنح بيغاسوس وأسطورة البطل اليوناني بيرسيوس حاملاً رأس ميدوسا.
(وهي أسطورة تحكي أن الملك "بوليديكتيس" كَلَّف بيرسيوس بمهمة جلب رأس "ميدوسا"، كائن أسطوري (من الغورغونات) كانت نظرتها تحوّل من يراها إلى حجر.
وقد منحت الآلهةُ بيرسيوس، بحسب الأسطورة، أدواتٍ خاصة، شملت درعاً مصقولة وعاكسة إضافة إلى سيف حاد، ما مكن بيرسيوس من قطع رأس ميدوسا وهي نائمة " إذ اكتفى بمراقبة انعكاس صورتها على درعه كي لا يتحول إلى حجر. وتمكن لاحقاً من استخدم قدرة الرأس في تحويل من ينظر إليه إلى حجر لهزيمة أعدائه، قبل أن يقدّم الرأس للإلهة "أثينا" لتضعه على درعها).
ومع الانتقال من قطعة إلى أخرى، يتضح أن هذه الكرات لم تكن مجرد أدوات لتحديد المواقع، بل كانت سجلاً لما كان البشر يعتقدونه في ذلك الوقت.
ففي بعض الكرات، تملأ التنانين والوحوش البحرية المناطق التي لم يستكشفها البشر بعد، وفي أخرى، تظهر ولاية كاليفورنيا الأمريكية كجزيرة، في تصور جغرافي كان سائداً لفترة من الزمن.
كما تحمل بعض القطع آثاراً واضحة من النظرة الاستعمارية لعالم تلك الحقبة، من خلال رسوم تصور السكان الأصليين بطريقة نمطية ومسيئة، فيما تظهر الأعلام الإسبانية والبرتغالية على أجزاء من الساحل الأفريقي في إشارة إلى مفهوم "الملكية" الذي كان سائداً آنذاك.
يقول شوبيسبرغر "إنها جزء من ذلك التفكير الاستعماري، ولذلك فهي أعمال فنية جميلة، لكن علينا أيضاً أن نفكر في الحقبة التي صنعت فيها".
فكل كرة، بحسب مدير المتحف، لا تحكي فقط ما كان الناس يعرفونه، وإنما أيضاً ما كانوا يجهلونه، موضحاً أن كل مجسم للكرة الأرضية يُعد سجلاً لما كان الناس يعرفونه بقدر ما يعكس ما كانوا يجهلونه. ولهذا السبب، يرى أن المتحف يلقى صدىً لدى فئات مختلفة من الناس، وليس فقط لدى المؤرخين أو عشاق علم رسم الخرائط.
ومن القطع التي يفضلها شوبيسبرغر كرة قمرية تعود إلى عام 1961. وقد رُسم فيها الجزء المرئي من القمر بدقة، بينما تُرك الجزء الآخر أبيض تماماً، لأن البشر لم يكونوا قد شاهدوا الجانب البعيد من القمر بعد.
وبعد عامين فقط، ظهرت نسخة جديدة من الكرة نفسها، وقد أضيف إليها الجزء الذي أصبح معروفاً بعد استكشاف الجانب البعيد من القمر.
وتجسد هذه القطعة واحدة من أهم أفكار المتحف، وهي أن العالم الذي نراه على الكرة الأرضية ليس ثابتاً، بل يتغير كلما اتسعت حدود المعرفة البشرية.ومن أبرز المعروضات أيضاً نسخة من "كرة بيهايم"، التي أنجزها مارتن بيهايم عام 1492، وهو العام نفسه الذي أبحر فيه كريستوفر كولومبوس غرباً.
وتعرض الكرة عالماً لا وجود فيه للأمريكتين بعد، فبين أوروبا وآسيا تمتد مساحة واسعة من المحيط.
ويقول شوبيسبرغر "الكرة الأرضية شيء رائع لأنها نموذج مصغر لكوكبنا، ويمكنك أن تحكي من خلالها قصص العالم: المناخ والجيولوجيا والتضاريس وطرق التجارة وكل شيء".
من مجرد تحف غريبة إلى ركائز ثقافية
تكشف الجولة أيضاً كيف تغيرت مكانة الكرة الأرضية نفسها.
ففي بداياتها، كانت هذه الكرات من المقتنيات الفاخرة التي لا يستطيع اقتناءها سوى النبلاء والتجار الأثرياء، لكن مع مرور الوقت أصبحت أصغر حجماً وأقل تكلفة وأكثر انتشاراً، ودخلت المدارس والمنازل، وتحولت لتصبح ألعاباً للأطفال.
واليوم أصبحت الكرة الأرضية شيئاً مألوفاً إلى درجة أن وجودها في الفصول الدراسية يكاد لا يلفت الانتباه.
لكنها، رغم انتشار التكنولوجيا وتوفر خرائط العالم بضغطة زر، لا تزال تحتفظ بقدرة خاصة على إثارة الفضول.
يقول مدير المتحف "الكرة الأرضية ليست مجرد أداة علمية، إنها أيضاً شيء يتيح لك أن تحلم ببلدان بعيدة".
ويبدو أن هذا الجانب هو الذي جذب شوبيسبرغر نفسه منذ طفولته، عندما كان مفتوناً بالسفن ووحوش البحر والمخلوقات الأسطورية التي كانت تملأ المساحات الفارغة في الخرائط القديمة.
فقد بدأ، وهو في السادسة من عمره، يرسم خرائطه الخاصة للعالم.
ويضيف "يمكنك أن تفكر فيما قد يكون موجوداً على الجانب الآخر من العالم وأنت جالس هنا في أوروبا، لا شيء آخر يستطيع أن يطلق لخيالك العنان بالطريقة نفسها".
وتشاركه الكاتبة جي إف بن هذا الشعور، فقد تعرفت على المتحف صدفة أثناء كتابتها لروايتها "رمح القدر"، التي تدور حول قطعة أثرية موجودة في الخزانة الإمبراطورية في فيينا، ومثلي تماماً، انتهى بها الأمر بالبقاء لفترة أطول بكثير مما كان مخططًا له.
وتقول إن ما جذبها بشكل خاص هو "الكرات الأرضية العتيقة الضخمة التي تغطيها آثار الزمن والاستخدام". مضيفة أنها تساءلت عن عدد الأيدي التي أدارت هذه الكرات عبر الأجيال، وما إذا كان أصحابها قد تخيلوا يوماً السفر إلى الأماكن البعيدة التي تراها هي اليوم على الخرائط.
ولا تنتهي حكاية الكرات الأرضية عند أبواب المتحف، ففي أنحاء فيينا، توجد نحو 50 كرة أرضية أخرى مثبتة فوق أسطح المباني وواجهاتها، وقد لا يلاحظها المارة إلا إذا رفعوا أنظارهم.
ويعرض المتحف مواقع هذه الكرات على خريطة افتراضية ضمن أحد معارضه الجديدة، في محاولة لتحويل المدينة نفسها إلى امتداد للمتحف.
وعندما أخرج أخيراً من قصر مولارد، يكون الليل قد حل، وتزدحم شوارع فيينا أكثر مما كانت عليه في وقت سابق.
وعلى الرغم من أنني كنت قد دخلت المتحف بحثاً عن مكان هادئ بعيداً عن الزحام، لكنني خرجت منه بشيء مختلف تماماً: طريقة جديدة للنظر إلى العالم، باعتباره مكاناً ظل البشر يرسمونه ويعيدون تخيله كلما تغيرت حدود معرفتهم.



