«فرح.. ردي! مش قادر أتنفس!»
ضحك الأردنيون.
وكان يمكن للضحكة أن تنتهي عند وجه فرح. عند عينيها. عند طقمها الرسمي. عند السؤال الأردني الأبدي: «من وين بلا صغرة؟ الله محيي أصلك!»
لكن الجملة بقيت.
لأنها أصابت مكانا أعمق مما بدا في اللحظة الأولى.
في الثالث من أيلول، ظهرت «فرح» من باحة رئاسة الوزراء. شخصية افتراضية بالذكاء الاصطناعي. ناطق رقمي حكومي. صوت جديد للمعلومة الرسمية.
جميل!
لكن الأردني لم ير كل ذلك في اللحظة الأولى.
رأى «فرح». ثم رأى نفسه.
«فرح مرتبطة؟» «عندك خوات؟» «من وين؟»
حتى عيناها دخلتا في التحقيق. أحدهم رأى فيهما حزنا. وكأنها موظفة حكومية انتظرت علاوة. أو مراجعة تحمل ورقة من شباك إلى شباك.
الوجه مصنوع. والابتسامة مصنوعة. والصوت مصنوع.
أما الإحساس الذي التقطه الناس، فحقيقي جدا!
الدولة التي منحت نفسها صوتا جديدا، عليها أن تمنح المواطن أذنا جديدة في الاتجاه الآخر.
أذنا تسمع السؤال!
هذه هي المسافة التي جاءت فرح لتقف فيها.
لا تُقاس بسرعة تحميل الفيديو. تُقاس بسرعة وصول الجواب.
الحكومة تستطيع اليوم أن تقول للمواطن ماذا قررت. لكن المواطن يسأل: لماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ ثم، في النهاية: «طيب شو أعمل أنا؟»
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
لأن الناطق الذي يقرأ المعلومة يحتاج إلى صوت. أما الناطق الذي يواجه المواطن فيحتاج إلى جواب.
من أين تعرف فرح ما تقول؟ ومن يحدثها؟ ومن يراجع المعلومة قبل أن تخرج؟ ومن يصححها إذا تغير القرار بعد ساعة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون الإجابة خاطئة؟
هذه ليست أسئلة ضد فرح.
هذه أسئلة لحمايتها.
فرح لا تملك شيئا تخسره حين تخطئ. لا سمعة تتضرر. لا وظيفة تهتز. لا اعتذار يُنتظر منها. ولا مواطن يستطيع أن يمسكها من يدها ويقول: «إنتِ حكيتِلي!»
من يملك كل ذلك هو الطرف الحقيقي خلف الشاشة.
كل كلمة تخرج من فمها الرقمي سبقها قرار بشري: من صنعها، من اختار بياناتها، من دربها، من سمح لها أن تتكلم باسم الدولة.
التقنية تصنع الوجه.
لكنها لا تصنع المسؤولية!
وهنا سؤال لم يطرحه أحد بعد، وهو الأخطر ربما من كل الأسئلة السابقة.
في مديرية الاتصال الحكومي نفسها، يوجد موظفون بشريون كانت مهمتهم الأصلية أن يشرحوا، ويجيبوا، ويتحدثوا باسم الوزارة.
فرح لن تستقيل يوما.
لن تتأخر عن الدوام.
لن تطلب علاوة.
لن تتذمر من مدير.
فهل هذا يعني أننا صنعنا الموظف الحكومي المثالي؟
أم أننا صنعنا الحجة المثالية لتجميد كل تعيين بشري جديد في هذا القطاع، بذريعة أن فرح "تكفي"؟
هذا سؤال لم يُطرح في أي تغطية حتى الآن، وهو يستحق إجابة قبل أن تتوسع صلاحيات فرح خطوة واحدة أخرى.
وهنا أريد من الحكومة شيئا بسيطا جدا.
لا أريد من فرح أن تكون جميلة. ولا أردنية أكثر من الأردنيين. ولا أن يكون صوتها أكثر دفئا.
أريد منها أن تكون قابلة للقياس.
كم معلومة قدمت؟ كم سؤالا وصلها؟ كم سؤالا أجابت عنه؟ كم سؤالا لم تعرف إجابته؟ كم سؤالا أحالته إلى إنسان؟ كم خطأ ارتكبت؟ كم استغرق تصحيح الخطأ؟ وكم مرة قالت: «لا أعرف»؟
انشروا هذه الأرقام كل شهر!
اجعلوا صمت فرح رقما!
لأن الصمت في التكنولوجيا يمكن قياسه. وما يمكن قياسه يمكن تحسينه. وما يمكن تحسينه يمكن مساءلته.
هنا فقط تصبح فرح أكثر من وجه جميل يتحدث من شاشة.
تصبح مؤسسة يمكن اختبارها.
لكن هناك سؤالا أكثر إزعاجا.
كم كلفت فرح؟ ومن نفذها؟ وكيف اختير المنفذ؟ وما الذي ستضيفه إلى العمل الحكومي؟
هذه أسئلة مواطن، لا أسئلة تشكيك.
المواطن الذي يمول الدولة من جيبه ليس مطلوبا منه أن يصفق لكل تقنية جديدة لأنها تحمل كلمة «ذكاء».
الذكاء الاصطناعي ليس إعفاء من المساءلة!
والرقمنة ليست شيكا مفتوحا.
إذا كانت فرح ستوفر المال، قولوا لنا كم. إذا كانت ستوفر الوقت، قولوا لنا كم. وإذا كانت ستخلق فرصا جديدة للأردنيين، فأخبرونا أين.
الأردن ينتج نحو 12 ألف خريج في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سنويا.
وهنا أتمنى ألا تنتهي قصة فرح عند وجهها.
أتمنى أن تفتح وراءها أبوابا حقيقية: مبرمجون أردنيون يكتبون أنظمتها. مهندسو بيانات يحمون دقة معلوماتها. مختصو لغة يمنحونها عربية دافئة لا باردة. خبراء أمن يعرفون أين تذهب أسئلة الناس. باحثون يختبرون انحيازها. مدققون يحاسبونها عندما تخطئ.
عندها تصبح الأتمتة باب عمل، لا باب طرد!
أوكرانيا قدمت «فيكتوريا شي»، ناطقة رقمية للشؤون القنصلية. وألبانيا ذهبت أبعد مع «دييلا»، التي دخلت في صميم منظومة المشتريات الحكومية.
نحن لسنا أمام اختراع أردني غريب.
نحن أمام سؤال عالمي جديد: ماذا يحدث عندما تبدأ الدولة الكلام بلسان اصطناعي؟
لكن الأردن لديه فرصة مختلفة: أن يجعل المواطن شريكا في التجربة، لا متلقيا لها.
أما الأردنيون، فلا أحد يحتاج إلى تدريبهم على اختبار فرح.
سيسألونها عن عيلتها وخواتها وموعد زفافها. وسيسألونها إذا كانت بتعرف تطبخ. وسيطلب أحدهم منها واسطة.
وستكون هذه الأسئلة كلها جزءا من الامتحان، لأن الناس لا يختبرون التكنولوجيا بالطريقة التي يختبرها المهندسون. هم يختبرونها بالطريقة التي يعيشون بها.
ثم، بعد انتهاء المزاح، يأتي السؤال الذي لا يستطيع وجه اصطناعي أن يضحك عليه:
«فرح، شو صار بالموضوع؟»
وهنا لا ينفع الوجه. ولا الطقم. ولا الابتسامة.
ينفع الجواب وحده!
إذا أجابت، ستكسب ثقة. إذا أخطأت واعترفت، ستكسب احتراما. إذا لم تعرف وأحالت السؤال إلى صاحبه، ستثبت أنها تعرف حدودها.
قد تكون فرح افتراضية.
لكن من يتحمل عواقب كلامها حقيقي تماما!
نحن لا نحتاج دولة تتحدث أسرع.
نحتاج دولة تسمع أسرع.
لا نحتاج أن يصل صوت الحكومة إلى المواطن في ثانية.
نحتاج أن يصل صوت المواطن إلى الحكومة في الثانية نفسها.
لهذا، عندما يقول الأردني لفرح: «مش قادر أتنفس!»
لا أريده أن يحصل على صوت اصطناعي يشرح له لماذا يختنق.
أريده أن يعرف أن صوته وصل. وأن أحدا سمعه. وأن هناك جوابا في الطريق.
لم تأت فرح لتتكلم باسم الدولة فقط. جاءت لتذكرها بأن المواطن الذي يقول: «مش قادر أتنفس!» يحتاج أذنا تسمعه قبل فم يجيبه. وعندها تصبح التكنولوجيا "فرحا" حقيقيا تجعل الدولة أقرب إلى صوت مواطنها!



