خبرني - تتصاعد في إسرائيل، بالتزامن مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر( تشرين أول) 2026، التصريحات والمواقف السياسية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية، وسط تنافس متزايد بين أحزاب اليمين على تقديم تصورات أكثر تشددا في ملفات الأمن والاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ويأتي هذا التصعيد السياسي في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، بينما تتواصل في الضفة الغربية إجراءات مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات والاعتداءات على الفلسطينيين، بحسب منظمات حقوقية ومؤسسات دولية.
انتخابات ترفع سقف الخطاب السياسي
تدخل الأحزاب الإسرائيلية الانتخابات المقبلة في أجواء سياسية وأمنية شديدة الاستقطاب، ما يجعل قضايا الحرب والأمن ومستقبل غزة والاستيطان في الضفة الغربية من الملفات الرئيسية في المنافسة على أصوات الناخبين.
وتحاول أحزاب اليمين، وبينها التيارات الأكثر تشددا، تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على حماية الأمن الإسرائيلي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويظهر ذلك في الدعوات إلى تشديد السيطرة الأمنية، وتوسيع الاستيطان، ورفض إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب طرح أفكار تتعلق بمستقبل سكان قطاع غزة.
ويأخذ التنافس بين هذه القوى أحيانا شكل المزايدة في المواقف السياسية، إذ يسعى كل تيار إلى إظهار قدر أكبر من الحزم تجاه الفلسطينيين، سواء عبر الدعوة إلى توسيع المستوطنات في الضفة الغربية أو عبر طرح سيناريوهات لإعادة تشكيل الوضع السكاني والسياسي في قطاع غزة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع التصريحات الانتخابية تتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ، لكنه يعكس تحولا في طبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي، حيث باتت قضايا الضم والاستيطان ومستقبل القطاع جزءا واضحا من المنافسة الداخلية.
كاتس يربط مستقبل غزة بموقف ترامب
في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس لصحيفة يديعوت أحرونوت، التي قال فيها إن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى الحصول على تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
ووفقا للمعطيات المطروحة، اعتبر كاتس أن الدعم الأمريكي يمكن أن يكون عاملا حاسما في تغيير موازين القوى الإقليمية، بما يسمح بدفع مشروع التوطين القسري لسكان القطاع.
وذهب الوزير الإسرائيلي إلى القول إن قطاع غزة لن يصل إلى حل حقيقي من وجهة نظره من دون تهجير سكانه، مشيرا إلى استعداد الحكومة الإسرائيلية لإخراجهم عبر البحر والجو وبوسائل مختلفة.
وأثارت هذه التصريحات إدانات دولية واسعة، في ظل ما يثيره طرح التهجير من اعتراضات قانونية وسياسية وإنسانية، ولا سيما عندما يكون الحديث عن نقل سكان منطقة تخضع لحرب وسيطرة عسكرية.
نتنياهو: إسرائيل ستبقى عند الخط الأصفر
في موازاة تصريحات وزير الدفاع، ظهر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في موقع عسكري إسرائيلي قريب من الخط الأصفر في قطاع غزة، حيث أكد أن إسرائيل تسيطر على القطاع وستبقى عند هذا الخط.
وربط نتنياهو استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي بتحقيق هدفين أساسيين، هما نزع سلاح حماس ومنع إعادة عسكرة غزة، مؤكدا أن إسرائيل تريد ضمان ألا يشكل القطاع تهديدا أمنيا لها في المستقبل.
وتكشف هذه التصريحات عن جانب آخر من النقاش الإسرائيلي بشأن غزة. فبينما يركز كاتس على فكرة تهجير السكان وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي للقطاع، يركز نتنياهو في خطابه على استمرار السيطرة الأمنية والعسكرية وتحقيق أهداف الحرب.
وقد لا تكون هذه المواقف متعارضة بالضرورة من الناحية السياسية، لكنها تعكس اختلافا في الأولويات وفي طريقة تقديم مستقبل غزة للجمهور الإسرائيلي.
الضفة الغربية: الاستيطان يتجاوز حدود المستوطنات القائمة
في الضفة الغربية، يتخذ التصعيد الإسرائيلي مسارا مختلفا، لكنه يرتبط بالهدف الأوسع المتعلق بتغيير الواقع على الأرض.
وتتواصل، بحسب منظمات حقوقية، عمليات مصادرة الأراضي والاعتداء على الفلسطينيين والاستيلاء على الممتلكات وتوسيع المستوطنات، إلى جانب إجراءات ترى جهات حقوقية أنها تعزز مسار ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بسبب الحديث عن أراض تقع في المنطقة "أ"، التي يفترض، بموجب ترتيبات اتفاق أوسلو، أن تخضع لسيطرة السلطات الفلسطينية.
ويرى منتقدو السياسات الإسرائيلية أن التوسع في مصادرة الأراضي وربط المستوطنات ببعضها يمكن أن يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتغيير طبيعة التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية.
وفي المقابل، تستند الحكومة الإسرائيلية والتيارات اليمينية الداعمة للاستيطان إلى اعتبارات أمنية وسياسية وأيديولوجية مختلفة لتبرير استمرار السيطرة الإسرائيلية وتوسيع المستوطنات.
العفو الدولية تحذر من مصادرة أراضي جنين
وقالت منظمة العفو الدولية، في بيان صدر الخميس 3 سبتمبر/ أيلول، إن الجيش الإسرائيلي وقع في يوليو (تموز) الماضي 15 أمرا بمصادرة أراض تبلغ مساحتها نحو 20 هكتارا في المنطقتين "أ" و"ج" بمحافظة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة.
ووفقا للمنظمة، تهدف عمليات المصادرة إلى ربط مستوطنتين إسرائيليتين مخطط لإقامتهما في المنطقة.
واعتبرت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن أوامر مصادرة الأراضي تمثل، بحسب تقييم المنظمة، توسعا في أجندة الضم الإسرائيلية لتشمل مناطق كانت خاضعة للسلطات الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو.
ودعت المنظمة الدول التي تربطها علاقات سياسية وتجارية وثيقة بإسرائيل إلى ممارسة ضغوط عليها لإلغاء أوامر المصادرة، محذرة من أن تقديم مساعدات تساهم في التوسع الاستيطاني أو في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي يمكن أن يثير مسؤولية قانونية وسياسية على الدول الداعمة.
بريطانيا تتحدث عن إعادة ضبط للعلاقة مع إسرائيل
وفي بريطانيا، اتخذ النقاش حول الاستيطان الإسرائيلي منحى سياسيا أكثر وضوحا، مع حديث وزير الخارجية إد ميليباند، خلال ظهوره في مجلس العموم يوم الثلاثاء الماضي، عن إعادة ضبط شاملة للسياسة البريطانية تجاه إسرائيل.
وتعهد الوزير، بحسب المعطيات المطروحة، بعرض إجراءات خلال الأسابيع المقبلة لمنع الشركات البريطانية من المساهمة في إقامة المستوطنات الإسرائيلية التي تعتبرها بريطانيا غير قانونية.
كما وصف مناقصات إسرائيلية لبناء 3400 وحدة سكنية استيطانية جديدة في الضفة الغربية بأنها تمثل تجاوزا لخط أحمر، محذرا من أن هذه الخطوات يمكن أن تقطع التواصل الجغرافي في الضفة الغربية وتزيد صعوبة إقامة دولة فلسطينية.
في المقابل، هدد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بالرد على أي إجراءات بريطانية، قائلا إن لإسرائيل "أدوات" ستستخدمها إذا تحركت لندن ضدها، بحسب صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وكان الاتحاد الأوروبي أعرب، في شهر يوليو/ تموز الماضي، عن قلقه من تخصيص الحكومة الإسرائيلية تمويلا جديدا وكبيرا لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، محذرا من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى ترسيخ وجود المستوطنات في مناطق وصفها بأنها "حساسة للغاية".
أين يقف ترامب من التهجير وضم الضفة؟
يمثل الموقف الأمريكي عاملا رئيسيا في تحديد هامش الحركة أمام الحكومة الإسرائيلية.
فإسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، ولذلك فإن أي تحول في موقف واشنطن بشأن مستقبل غزة أو الضفة الغربية يمكن أن تكون له آثار واسعة على قدرة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ سياساتها.
لكن الموقف الأمريكي من ملفات التهجير والضم يظل موضع نقاش، خصوصا مع تعدد التصريحات والمقترحات المتعلقة بمستقبل غزة، واختلاف المواقف المعلنة عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في إدارة القطاع وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن المستقبلية.
ويزيد الغموض من أهمية تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين يسعون إلى الحصول على دعم ترامب، لأن مجرد السعي إلى هذا الدعم يشير إلى أن واشنطن تظل عاملا لا يمكن تجاهله في حسابات الحكومة الإسرائيلية.
ماذا حدث لمجلس السلام الخاص بغزة؟
ومن الملفات التي أثارت اهتماما خلال الفترة الماضية أيضا مستقبل الهيئة أو مجلس السلام الذي طرحه الرئيس ترامب لإدارة قطاع غزة.
وقد تراجع حضور هذا المشروع في النقاش العام مقارنة بالمرحلة التي شهدت فيها المقترحات المتعلقة بإدارة القطاع وإعادة الإعمار اهتماما سياسيا وإعلاميا واسعا.
ويطرح هذا التراجع تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الآلية، ومدى قدرتها على الانتقال من التصور السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض، خصوصا في ظل استمرار الخلافات بشأن مستقبل الحكم في غزة، ودور إسرائيل والسلطة الفلسطينية والقوى الإقليمية والدولية.
كما أن أي مشروع لإدارة القطاع يحتاج إلى معالجة قضايا الأمن وإعادة الإعمار والحدود والتمثيل السياسي ومستقبل السكان، وهي ملفات شديدة التعقيد لا يمكن حسمها من خلال إعلان سياسي واحد.
لماذا تبدو العواصم العربية أقل حضورا في مواجهة الاستيطان؟
في الجانب العربي، يلاحظ تراجع مستوى التفاعل السياسي العلني مع بعض خطوات الاستيطان مقارنة بمراحل سابقة، على الرغم من استمرار صدور مواقف رسمية رافضة للاستيطان والتهجير.
ويمكن تفسير ذلك جزئيا بانشغال عدد من الدول العربية بأزمات إقليمية أخرى، وبمحاولات الحفاظ على قنوات اتصال مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف فلسطينية مختلفة، إضافة إلى إدراك بعض الحكومات أن قدرتها على التأثير المباشر في القرار الإسرائيلي محدودة.
كما أن استمرار الحرب في غزة وتعدد الملفات الإقليمية، من الأمن والطاقة إلى الصراعات في دول أخرى، جعل القضية الفلسطينية جزءا من مشهد إقليمي أكثر اتساعا وتعقيدا.



