في اوقات التدافع الاقليمي والحروب بالوكالة غالبا ما ينصرف التحليل الى الخسائر العسكرية المباشرة وحسابات الردع الجوي والبري لكن ثمة سيناريو كارثي يتجاوز كل تلك الحسابات التقليدية سيناريو يقترب رويدا رويدا ليضع دول الخليج العربي امام اخطر تهديد وجودي في تاريخها الحديث
ان القضية لم تعد مجرد تبادل ضربات او صراع نفوذ بل اصبحت ترتبط ارتباطا وثيقا بقطرة الماء ولقمة العيش ومفتاحها محطة كهرونووية ترقد على الشاطئ الاخر من مياهنا المشتركة محطة بوشهر
لا تتطلب الكارثة النووية قنبلة تخترق قلب المفاعل لتفجيره فدروس التاريخ الحديث وتحديدا ماساة فوكوشيما اليابانية علمتنا ان اخطر ما يواجه المفاعلات قيد التشغيل هو انقطاع التيار الكهربائي وفقدان التبريد
ان اي استهداف عسكري للبنى التحتية المحيطة ببوشهر او تدمير محطات التحويل وخطوط الامداد او شل المولدات الاحتياطية وسط نيران المواجهة كفيل ببدء العد التنازلي لانصهار قضبان الوقود وحدوث تسريب اشعاعي لا يبقي ولا يذر
وهنا تكمن المفارقة الماساوية ان الرياح والتيارات البحرية في هذا الحوض المغلق لا تعترف بالحدود السياسية إذ ان انبعاث النظائر المشعة او تسربها الى مياه الخليج يعني حكما بالاعدام على الامن المائي والغذائي لدول شبه الجزيرة العربية
اننا نتحدث عن دول تعتمد بنسب تصل الى مئة بالمئة على تحلية مياه البحر لتامين شرب سكانها وسقاية مدنها وعن بيئة بحرية ومصائد سمكية هي الرئة الغذائية للملايين ان وصول مادة اشعاعية واحدة الى ماخذ محطات التحلية سيفرض اغلاقها فورا لتجد مدن الخليج الكبرى نفسها امام ازمة عطش غير مسبوقة لا يمكن لاي مخزون استراتيجي الصمود امامها لاكثر من بضعة اسابيع
ازاء هذا المشهد الذي يهدد استمرار الحياة ذاتها لا يمكن لدول الخليج ان تظل رهينة لعبة حافة الهاوية التي يخوضها الاخرون على حساب بيئتها وشعوبها ان الصمت او الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية التقليدية لم يعد خيارا في مواجهة خطر الابادة البيئية لقد حان الوقت لتحرك استراتيجي غير مسبوق يضع حدا لهذا المسار الانتحاري تحرك يرتكز على الوعي بان الجغرافيا قدر ثابت بينما التحالفات السياسية متغيرة
اذا كانت الحسابات الامريكية الاسرائيلية مستعدة للمخاطرة بتحويل مياه الخليج الى حوض مسموم فان امن الخليج القومي يجب ان يتقدم على كل التزام سياسي او اتفاق عسكري ان خطورة اللحظة تتطلب امتلاك الشجاعة لمراجعة كل اوراق اللعبة بما في ذلك افهام الحلفاء قبل الخصوم ان اراضي الخليج ومياهه واجواءه لن تكون منصة لاشعال حرب تدمر مقومات البقاء لشعوبه واذا كان تحييد هذه الكارثة النووية يتطلب استخدام ورقة القواعد العسكرية الامريكية ومراجعة وجودها لفرض وقف التصعيد وانهاء هذا الصراع العبثي فان حماية الانسان وشريان مائه يجب ان يعلو فوق اي اصطفاف دولي
ان ناقوس الخطر يدق من سواحل بوشهر والتسويف في مواجهة هذا التهديد لن يكون ثمنه هزيمة سياسية بل بيئة ملوثة ومياه غير صالحة للشرب ومدن تواجه شبح الرحيل
على القرار الخليجي ان يتحرك الان وباقصى درجات الحزم لنزع فتيل هذه الحرب قبل ان تستيقظ المنطقة على كارثة لا تجدي معها التحالفات ولا تنفع فيها المليارات



