*
الاربعاء: 02 أيلول 2026
  • 01 أيلول 2026
  • 22:49
بعد 6 أشهر واشنطن تبحث عن مخرج وإيران تراهن على الاستنزاف

خبرني - بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تبدو المواجهة بعيدة عن النهاية التي رُسمت لها عند بدايتها، بعدما تحولت من عملية كان يُفترض أن تكون خاطفة وحاسمة إلى حرب مفتوحة تتبادل فيها الأطراف الضربات، تتخللها هدن هشة، قبل أن يعود التصعيد إلى الواجهة من جديد.

وخلال هذه الأشهر، لم تنجح واشنطن في ترجمة تفوقها العسكري إلى حسم سياسي؛ فالنظام الإيراني ما يزال قائما، ومضيق هرمز لم يستعد حركته الطبيعية، والبرنامج النووي الإيراني تعرض لأضرار من دون أن ينتهي، فيما تتصاعد كلفة الحرب عسكريا واقتصاديا وسياسيا.

ومع تعثر الرهان على الحسم السريع، انتقلت الولايات المتحدة بين أدوات ضغط متعاقبة، من التهديد إلى الضربات المباشرة، ثم الحصار البحري والعقوبات المشددة، غير أن هذا المسار لم يدفع طهران إلى الاستسلام، بل فتح الباب أمام حرب استنزاف باتت تفرض حساباتها على الطرفين.

واشنطن أمام مأزق الحرب

داخل الولايات المتحدة، يضيق استمرار الحرب هامش الخيارات أمام البيت الأبيض، الذي يجد نفسه بين الاستمرار في مواجهة مكلفة من دون أفق حاسم، أو البحث عن تسوية قد تُفسر سياسيا على أنها تراجع عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية عند بدء القتال.

ويرى المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية جايسون كامبل أن مصداقية البيت الأبيض تعرضت لتآكل خلال الأشهر الماضية، في ظل تكرار الحديث عن اقتراب نهاية الحرب أو تحقيق اختراقات سياسية، قبل أن تعود التطورات لتؤكد استمرار المواجهة.

ويعتبر كامبل أن انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران عمّق أزمة الثقة، وأن الإدارة الأميركية باتت تبحث عن نتيجة يمكن تسويقها بوصفها إنجازا، في وقت تتراجع فيه فرص تحقيق نصر حاسم على الأرض.

كما يضاعف استمرار إغلاق مضيق هرمز الضغوط على دول المنطقة التي تحملت جانبا مباشرا من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى حسابات واشنطن الإقليمية.

إيران.. جغرافيا في مواجهة الحصار

في المقابل، تبرز الجغرافيا الإيرانية بوصفها أحد أبرز العوامل التي تحد من فاعلية استراتيجية العزل والضغط.

ويرى الباحث الإيراني علي أكبر داريني أن إيران، بحكم امتداد حدودها البرية والبحرية واتصالها بعدد من الدول، لا يمكن إخضاعها لعزلة كاملة، الأمر الذي يجعل الانتقال من الحرب العسكرية إلى الحصار والعقوبات أقل حسما مما راهنت عليه واشنطن.

ومن هذا المنطلق، مرت السياسة الأميركية بأربع مراحل رئيسية؛ التهديد العسكري، ثم الحرب المباشرة، فالحصار البحري، وأخيرا توسيع العقوبات لتشمل شركاء إيران التجاريين.

لكن تصاعد أدوات الضغط لم يفض إلى النتيجة المرجوة، إذ حافظت طهران على قدرتها على الصمود، بينما اتسعت كلفة الحرب وتراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز بصورة حادة.

فبعدما كان أكثر من 100 سفينة تعبر المضيق يوميا قبل اندلاع الحرب، انخفض العدد في بعض الأيام خلال الفترة الأخيرة إلى ما بين 5 و12 سفينة فقط، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أصاب أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وتزيد المعارضة الروسية والصينية للعقوبات الأميركية الأخيرة من صعوبة فرض عزلة دولية أوسع على طهران، وتكشف أن توسيع الضغوط الاقتصادية يواجه بدوره حدودا سياسية وجيوسياسية.

الجوار يعيد حساباته

لا تقتصر تداعيات الحرب على طرفيها، إذ بدأت انعكاساتها تمتد إلى دول الجوار، دافعة إياها إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية والسياسية في ظل مواجهة تتجاوز آثارها حدود طرفي الصراع.

ويرى أستاذ التاريخ والسياسة الدولية سيروس شايغ أن المواجهة الحالية أحدثت تحولا في ميزان القوى بين الولايات المتحدة وإيران والقوى الإقليمية، مرجحا أن تستمر تداعياتها حتى بعد توقف القتال.

فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّلت المنطقة إحدى الساحات الرئيسية للحضور العسكري الأميركي، غير أن الحرب الحالية تضع مكانة واشنطن ودورها الأمني في المنطقة أمام اختبار مختلف.

ويواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق هذه القراءة، معادلة صعبة؛ إذ إن تقديم تنازلات كبيرة في أي تسوية قد يُنظر إليه بوصفه تراجعا، بينما يعني استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح مزيدا من الاستنزاف والتوتر، مع امتداد كلفته إلى دول الجوار.

وفي المقابل، بدأت دول الجوار إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية وتعزيز ترتيباتها الدفاعية، في ظل تراجع اليقين بقدرة المظلة الأميركية وحدها على التعامل مع التهديدات المتصاعدة، ما قد يدفع نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة خلال المرحلة المقبلة.

إلى أين تتجه الحرب؟

بعد ستة أشهر، لم تعد المشكلة الأساسية في امتلاك القوة العسكرية، بل في القدرة على تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية.

فالولايات المتحدة لم تحقق الحسم الذي سعت إليه، وإيران لم تُجبر على الاستسلام، فيما بقي مضيق هرمز أحد أبرز تجليات الحرب المفتوحة وتداعياتها الإقليمية.

وبين إدارة أميركية تبحث عن مخرج يحفظ مكاسبها السياسية، وطهران تراهن على قدرتها على امتصاص الضغوط وإطالة أمد المواجهة، تبدو الأشهر المقبلة مرشحة لمزيد من دورات التصعيد والتهدئة، أكثر من اقترابها من نهاية واضحة.

ومع دخول الحرب مرحلة جديدة، قد يكون السؤال الأكثر حسما ليس متى تنتهي، بل أي طرف سيتمكن من تحمل كلفة الاستنزاف لفترة أطول، ومن سينجح في تحويل صموده العسكري إلى مكسب سياسي في صراع بدأت تداعياته تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتطال مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة.

مواضيع قد تعجبك