خبرني - سُئل شابّ إنجليزي عن يومه، فأجاب بما يشبه القصيدة الحزينة: "أستيقظ، وأول خاطرة تيك توك، ثم آكل، وبعدها تيك توك، ثم أستحمّ ثم تيك توك، وفي الحافلة — خمّن ماذا أفعل؟ تيك توك. وفي المدرسة لا أستخدمه، لكن حالما أخرج أقول لنفسي دعني أتفقّد تيك توك".
هذه الشهادة وردت في دراسة صدرت، أمس، عن معهد أبحاث السياسات العامة في لندن، حملت عنواناً لا يحتاج شرحاً: «الجيل الأكثر وحدة». وخلاصتها أن الشباب في إنجلترا صاروا أكثر عزلة عن بعضهم بعضاً على نحو دراماتيكي، إذ يقول واحد من كلّ عشرين منهم اليوم، إنه لا يملك صديقاً مقرّباً واحداً، بعد أن كانت النسبة واحداً من كلّ مئة سنة 2014. خمسة أضعاف في عشر سنوات.
والرقم الذي يليه أشدّ دلالة، ففي الفئة نفسها، من 16 إلى 21 عاماً، هبطت نسبة من يملكون ثلاثة أصدقاء مقرّبين على الأقل من 85% في الفترة 2012-2014 إلى 72% في 2023-2025. أي أن الظاهرة لا تقتصر على أقلّية معزولة تماماً؛ إنها تسحب الجميع خطوة إلى الوراء. وحتى نوعية الصداقات تراجعت، فعدد من يقولون إنهم سعداء بأصدقائهم بين أبناء الرابعة عشرة والخامسة عشرة أقلّ مما كان قبل عقد.
الدراسة تعطي رقماً واحداً يفسّر الكثير؛ فالشباب بين 15 و17 عاماً يقضون نحو ستّ ساعات ونصف الساعة يومياً على الإنترنت، غالباً على يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وسناب شات.
والوصف الذي اختاره الباحثون لهذا الاستهلاك هو مربط الفرس؛ التمرير نشاطٌ انفراديّ في جوهره، وصار التسليةَ اليومية لجيل كامل. تأمّل التناقض. الأداة التي بُنيت على وعد التواصل تُستهلك في عزلة تامة؛ حيث يقبع شابّ وحده في غرفته، يشاهد آخرين وحدهم في غرفهم. المتابعون بالآلاف، والغرفة فارغة.
ما ليس في الشاشة
لكنّ الدراسة ترفض أن تُختصر في اللوم على التقنية، وهذا ما يميّزها عن عشرات التقارير المشابهة. فهي تضع إلى جانب تيك توك ثلاثة أسباب أخرى؛ إغلاق أندية الشباب، وغلاء السكن الذي يتعذّر تحمّله، وتراجع تقدير الذات. وترفض صراحة الفكرة القائلة إن هذا الجيل أقلّ صلابة من سابقيه.
وهذه نقطة تستحقّ الوقوف عندها، فحين يُغلق نادي الشباب، ويعجز الشابّ عن استئجار سكن مستقلّ، وتضيق المساحات التي يلتقي فيها الناس بلا موعد ولا سبب، فإن الشاشة لا تسرق وقته، بقدر ما تملأ الفراغ الذي صنعته السياسات الخاطئة. والفارق بين التفسيرين هو الفارق بين مقالٍ يوبّخ المراهقين ومقالٍ يسأل: أين يفترض بهم أن يذهبوا؟
المرآة أيضاً
في التقرير رقم آخر أقلّ تداولاً وأشدّ إيلاماً، فقد وجد التقرير أن شابة واحدة فقط من كلّ ثلاث شابات راضية عن مظهرها. أما الفتيان — وهم الغائبون عادةً عن هذا النقاش — فقد كان أكثر من نصفهم راضين عن شكلهم قبل عقد، وصارت النسبة اليوم 38%.
ولعلّ هذا هو الخيط الذي يربط الأرقام كلّها. فحين يقضي المرء ستّ ساعات يومياً في مقارنة نفسه بصور مصنوعة، ثم يفتقد المساحة التي يرى فيها الناس على حقيقتهم، تنهار ثقته بنفسه قبل أن تنهار علاقاته. والصداقة تحتاج قدراً من الرضا عن الذات يجعل صاحبها قادراً على الاقتراب.
من إنجلترا إلى العالم
قد يُقال إن هذه مشكلة بلد بعيد، غير أن منظمة الصحة العالمية وضعت المسألة في إطارها العالمي قبل أربعة عشر شهراً، حين أصدرت لجنتها للتواصل الاجتماعي تقريرها «من الوحدة إلى التواصل الاجتماعي» في 30 يونيو 2025. وخلاصته أن واحداً من كلّ ستّة أشخاص في العالم متأثّر بالوحدة، وأنها ترتبط بنحو 871 ألف وفاة سنوياً، أي قرابة مئة وفاة في كلّ ساعة.
وأهمّ ما في ذلك التقرير أنه يهدم الصورة النمطية. فأعلى معدّلات الوحدة بين المراهقين والشباب — نحو واحد من كلّ خمسة — لا بين كبار السنّ؛ بل سجّل الرجال كبار السنّ أدنى نسبة، دون 10% بقليل، فيما سجّلت المراهقات أعلى نسبة بلغت 24.3%. كما أن المعدّلات أعلى في الدول منخفضة الدخل، حيث تقارب واحداً من كلّ أربعة. أي أن الوحدة ليست ترف المجتمعات الغنية المشبعة بالتقنية؛ إنها أوسع من ذلك وأعمق.
وقد رأت اللجنة أن التواصل الاجتماعي يستحقّ أن يُعدّ ركناً ثالثاً للصحة إلى جانب الصحة الجسدية والنفسية. وقبل ذلك بشهر، في مايو 2025، أقرّت جمعية الصحة العالمية أول قرار في تاريخها يخصّ التواصل الاجتماعي بوصفه أزمة صحة عامة.
سؤال يخصّنا
السؤال الذي طرحه التقرير البريطاني قابل للنقل كما هو: أين يلتقي شبابنا؟ ما المساحات التي يذهب إليها المراهق بعد المدرسة من غير أن يدفع ثمن مقعد؟ وكم من علاقاتنا صار يُدار عبر شاشة؟ مجتمعاتنا تُوصف تقليدياً بأنها مجتمعات ترابط أسريّ ومجالس مفتوحة، وهذا صحيح تاريخياً. لكن كم بقي من ذلك بعد أن دخل تيك توك كلّ غرفة.
الوحدة، كما تقول منظمة الصحة العالمية، لا تعني غياب الناس. إنها تعني غياب من يفهمك، إذ يمكن أن يجتمع حولك ألف متابع وأنت لا تجد صديقاً صدوقاً واحداً.



