*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 30 أغسطس 2026
  • 17:20
هندسة الكرامة في المكان المقدس وعدالة الوصول إلى الأماكن السياحية الجزء الثالث
الكاتب: د. موفق الزيادات

خبرني  - لا يُقاس تحضر المجتمعات فقط بما تحفظه من إر ، بل أيضاً بمن تُمكّنه من الوصول إلى هذا الإرث، وكيف تجعله شريكاً في معناه. من هنا ينتقل الشمول من كونه التزاماً خدمياً أو اجتماعياً إلى أصل غير مادي قادر على إنتاج الثقة والسمعة والانتماء والقوة الناعمة؛ فكل حاج يستطيع أن يعيش التجربة بكرامة واستقلال لا يمثل مستفيداً إضافياً، بل يضيف قيمة جديدة إلى رأس المال الحضاري للمكان. وانطلاقاً من ذلك، تتناول هذه المقالة مفهوم رأس مال الشمول الحضاري  ( CIC – Civilizational Inclusion Capital)، لتؤسس لفرضية جديدة في نظرية الإرث الحضاري والقيمة الاقتصادية الروحية مفادها أن قيمة الموروث لا تكتمل بما يحمله من معنى، وإنما بعدالة توزيع الحق في الوصول إلى ذلك المعنى والمشاركة في إنتاجه.
رأس مال الشمول الحضاري ( CIC – Civilizational Inclusion Capital)، مفهوم جديد يُعرّف بأنه: القيمة غير المادية التي تنتجها الدولة أو المؤسسة عندما تجعل موروثها الحضاري متاحاً بصورة عادلة وكريمة لمختلف القدرات والأعمار والخلفيات، وتحول التنوع الإنساني من تحدٍ تشغيلي إلى مصدر لإثراء المعنى وتعزيز الثقة والسمعة والقوة الناعمة. هذا يعني أن الشمول نفسه يصبح رأس مال. فالدولة التي تجعل مواقعها الروحية أكثر إنسانية لا تقدم خدمة اجتماعية فحسب، وإنما تبني سمعة دولية، وثقة، وولاءً، وصورة حضارية. 
يمكن تطوير العائد على الشمول – Return on Inclusion (ROI) بوصفه أحد المسارات التطبيقية المتخصصة ضمن منهجية العائد على المعنى – Return on Meaning (ROM)، لقياس مدى قدرة المكان الروحي على تحويل مبدأ الشمول من مجرد إتاحة مادية للخدمة إلى قيمة حضارية وإنسانية محسوسة
. فبدلاً من الاكتفاء بقياس عدد الأشخاص ذوي الإعاقة أو كبار السن أو غيرهم ممن تمكنوا من زيارة الموقع، ينتقل القياس إلى أسئلة أعمق: ما مقدار الاستقلال الذي منحتهم إياه التجربة؟ وما مستوى المعنى الذي استطاعوا الوصول إليه ومعايشته؟ وما درجة مشاركتهم الفعلية في التجربة؟ وهل حصلوا، رغم اختلاف مساراتهم واحتياجاتهم، على قيمة متكافئة مع ما حصل عليه الآخرون؟ 
بهذا يصبح العائد على الشمول (ROI) مقياساً لما ينتجه المكان من كرامة واستقلال ومشاركة وعدالة في الوصول إلى المعنى، وليس مجرد مقياس لأعداد المستفيدين. ويمكن ترجمة ذلك من خلال منظومة مؤشرات تشمل: مؤشر استقلالية الرحلة، ومؤشر عدالة الوصول إلى المعنى، ومؤشر المشاركة المتكافئة، ومؤشر الكرامة في الخدمة، ومؤشر سهولة التجربة، ومؤشر التحول من مستفيد من التسهيلات إلى شريك ومُنتج للمعنى. وبهذا يضيف العائد على الشمول- ROI بعداً جديداً إلى العائد على المعنى - ROM، إذ لا يقيس فقط مقدار المعنى الذي ينتجه المكان، وإنما مدى عدالة إتاحته وتوزيع فرص معايشته والمشاركة في إنتاجه بين مختلف فئات الإنسان.
كما يمكن أن يطبق اختبار الدقيقة الواحدة للكرامة. فعند كل نقطة من رحلة الحاج نسأل: هل يستطيع الإنسان، بغض النظر عن عمره أو قدرته، أن يعرف خلال دقيقة واحدة أين يذهب، وكيف يحصل على المساعدة، وكيف يشارك دون أن يشعر بأنه عبء على الآخرين؟ إذا كانت الإجابة لا، فالتصميم يحتاج إلى مراجعة. إنه معيار صغير، لكنه يحول مفهوم الكرامة من قيمة مجردة إلى سؤال تصميمي وتشغيلي دائم.
إن الفرصة التاريخية التي تتيحها الألفية الثانية للمعمودية لا تتمثل فقط في استضافة حدث عالمي، بل في ترك معيار عالمي جديد لإدارة الأماكن الروحية. ويمكن للأردن أن يعلن من المغطس في 2030 مبادرة دولية بعنوان: إعلان المغطس للحق في الوصول إلى المعنى The Baptism Site Declaration on the Right to Access Meaning؛ تدعو المواقع الدينية والروحية والتراثية في العالم إلى الانتقال من مجرد إتاحة المكان إلى ضمان كرامة التجربة وعدالة الوصول إلى المعنى للأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، وجميع أشكال التنوع الإنساني. وهنا يمكن أن تتحول تجربة أردنية محلية إلى مساهمة فكرية وحضارية عالمية.
إن عظمة الأماكن الروحية لا تظهر فقط في قدرتها على حفظ ذاكرة الماضي، وإنما في قدرتها على استقبال الإنسان كما هو، لا كما يفترض التصميم أن يكون. ولذلك فإن الموقع المقدس الصديق للإنسان ليس الموقع الذي أزال بعض العوائق من طرقه، بل الموقع الذي أعاد بناء تجربته انطلاقاً من حقيقة أن الاختلاف جزء أصيل من التجربة الإنسانية.
وفي احتفالية 2030 يمكن للمغطس أن يقدم للعالم رسالة تتجاوز المناسبة نفسها: أن كرامة الإنسان ليست خدمة تضاف إلى قدسية المكان، وإنما جزء من معنى تلك القدسية. وحين يستطيع الطفل أن يفهم، والكفيف أن يدرك، والأصم أن يتفاعل، وكبير السن أن يصل بطمأنينة، والشخص ذو الإعاقة أن يشارك باستقلال، والمبدع أن يحول تجربته إلى أثر؛ عندها لا نكون قد هندسنا رحلة حاج فحسب، بل هندسنا عدالة الوصول إلى المعنى.
فالاختبار الأعمق لرأس المال الروحي ليس مقدار المعنى الذي يمتلكه المكان، وإنما قدرته على ألا يحرم إنساناً من حقه في أن يصل إلى ذلك المعنى، ويعيشه، ويضيف إليه، ثم يحمله معه إلى العالم.
وهكذا، لا يصبح الشمول هامشاً في إدارة الموروث الروحي، بل أحد الأصول التي تحدد قيمته الحضارية واستدامته؛ فـرأس مال الشمول الحضاري (CIC) يحدد ما نصنعه من قيمة عندما نتيح المعنى للجميع، والعائد على الشمول (ROI) يقيس مقدار ما تحوّل من تلك الإتاحة إلى استقلال وكرامة ومشاركة وأثر، بينما يجعل اختبار الدقيقة الواحدة للكرامة هذه الفلسفة قابلة للاختبار في تفاصيل رحلة الإنسان اليومية. وإذا استطاع المغطس في 2030 أن يحوّل هذه المفاهيم إلى ممارسة وإلى إعلان عالمي للحق في الوصول إلى المعنى، فلن يقدّم الأردن نموذجاً لموقع روحي شامل فحسب، بل سيطرح معياراً حضارياً جديداً يقول للعالم: إن الإرث الذي لا يتسع لاختلاف الإنسان يظل إرثاً ناقص الأثر؛ أما الإرث الذي يجعل الكرامة طريقاً إلى المعنى، فإنه يتحول من ذاكرة محفوظة إلى قيمة إنسانية قابلة للعبور بين الأجيال والحدود.

مواضيع قد تعجبك