*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 29 أغسطس 2026
  • 23:17
1400 عام تحت الأرض رئة ملكة تكشف سراً مذهلاً

خبرني - نجت رئة واحدة للملكة أرنيغوند من التحلل طوال نحو 1400 عام، بينما اختفى معظم جسدها ولم يبقَ منه سوى العظام. وظل هذا الاكتشاف لغزا للعلماء لعقود، قبل أن تكشف التحاليل الحديثة مجموعة من العوامل التي ساعدت على حفظ هذا العضو بصورة استثنائية.
اكتشاف نادر داخل قبر ملكي
بدأت قصة الرئة المحفوظة عام 1959، عندما فتح عالم الآثار الفرنسي ميشيل فلوري تابوتا حجريا داخل كاتدرائية سان دوني في باريس، ليكتشف مدفن الملكة أرنيغوند، إحدى شخصيات السلالة الميروفنجية التي عاشت تقريبا بين عامي 510-520 و580-590 ميلاديا.
وبينما تحول معظم جسد الملكة الفرنجية إلى عظام، وجد الباحثون قطعة نادرة من الأنسجة الرخوة؛ رئة واحدة بقيت محتفظة بملامحها بصورة واضحة رغم مرور قرابة 1400 عام على دفنها.
كنوز ملكية والرئة
احتوى القبر على مجموعة من المقتنيات التي عكست المكانة الرفيعة للملكة، بينها ملابس حريرية، وحجاب مزين بالذهب والعقيق، ومجوهرات، وحزام مزخرف، إضافة إلى خاتم يحمل اسم «أرنيغوندس».
لكن أكثر ما أثار اهتمام الباحثين لم يكن الذهب أو المجوهرات، وإنما بقايا الرئة التي كانت النسيج الرخو الرئيسي الوحيد الذي نجا من التحلل. وظل سبب بقائها لغزًا لسنوات طويلة، إلى أن بدأت الدراسات العلمية تكشف تفاصيل عملية الحفظ غير العادية.
التحنيط الاصطناعي
لم يكن بقاء الرئة مجرد مصادفة أو نتيجة للظروف داخل القبر، إذ أظهر بحث أجرته عالمة الأنثروبولوجيا الحيوية رافايلا بيانوتشي من جامعة تورينو أن أرنيغوند خضعت على الأرجح لنوع من التحنيط الاصطناعي.
ووفقًا للصفحة الرسمية لوزارة الثقافة الفرنسية، فحص العلماء عام 2016 عينات من الرئة باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح، وعثروا على آثار كيميائية مرتبطة بمواد التحنيط.
وأشارت النتائج إلى أن جسد الملكة عولج بمواد كان من شأنها إبطاء التحلل الطبيعي للأنسجة، وهو ما قدم تفسيرا مهما لبقاء الرئة طوال هذه الفترة الطويلة.
طقوس متأثرة بمصر القديمة
خلال القرن السادس، طور الفرنجة طقوس دفن خاصة بهم، متأثرين ببعض التقاليد الرومانية التي تأثرت بدورها بأساليب التحنيط المصرية القديمة. وكانت هذه الممارسات مخصصة عادةً للشخصيات ذات المكانة العالية، مثل الملوك والملكات والزعماء الدينيين.
لكن التحنيط الفرنجي لم يكن مطابقا للطريقة المصرية القديمة، إذ لم تكن الأعضاء الداخلية تُستخرج من الجسد. وبدلًا من ذلك، كان يُدخل عبر الفم مزيج من الراتنجات والمواد النباتية، بينما يُغطى الجسد بأقمشة من الكتان مشبعة بالزيوت والأعشاب والراتنجات، وفقًا لما أورده موقع " DailyGalaxy".
 مفاجأة النحاس
كشفت تحاليل رئة أرنيغوند عن آثار حمض البنزويك ومركبات أخرى مصدرها نباتات عطرية، وهي مواد وُجد أن بعضها استُخدم أيضًا في مستحضرات التحنيط المصرية القديمة.
لكن العلماء اكتشفوا عاملا آخر ربما لعب دورا حاسما في عملية الحفظ، الحزام المصنوع من سبيكة نحاسية، الذي دُفن مع الملكة.
فعندما تراكمت مواد التحنيط داخل الرئة، تلامست مع النحاس الموجود في الحزام. وأظهر التحليل وجود مستويات مرتفعة من أيونات النحاس وأكسيد النحاس، وهي مركبات يُعتقد أنها ساعدت على إبطاء تدهور الأنسجة.
تفاعل كيميائي حفظ الرئة وحدها
يرى الباحثون أن التفاعل الكيميائي غير المعتاد بين مواد التحنيط والنحاس ربما خلق ظروفًا ملائمة لحفظ الرئة لفترة استثنائية، ولم يكن هذا المزيج من المركبات النباتية والزيوت والراتنجات والنحاس قادرًا على منع تحلل جسد الملكة بالكامل، لكنه ربما ساعد في الحفاظ على رئة واحدة بصورة سمحت للعلماء بالتعرف عليها بعد أكثر من ألف عام.
ويكشف ذلك أيضا عن تأثير غير متوقع للمقتنيات التي دُفنت مع الموتى. فالحزام الذي وُضع على الأرجح كجزء من ملابس الملكة ومظهرها ومكانتها الاجتماعية، امتلك في الوقت نفسه خصائص كيميائية أصبحت جزءًا من عملية حفظ الرئة.
لماذا نجت الرئة تحديدًا؟
لا يعتقد الباحثون أن التحنيط والتفاعل مع النحاس كانا العاملين الوحيدين وراء بقاء رئة أرنيغوند. فقد تكون طبيعة نسيج الرئة نفسه ساهمت أيضًا في مقاومتها للتحلل. فمقارنةً ببعض أنسجة الجسم الأخرى، تحتوي الرئتان على عدد أقل من الخلايا الظهارية الغنية بالجسيمات الحالة، وهي تراكيب خلوية تحتوي على إنزيمات قادرة على تحليل الأنسجة بعد الموت.
وقد يعني انخفاض عدد هذه الخلايا أن الجفاف يمكن أن يحدث في بعض الظروف بسرعة أكبر من عملية التحلل، وهو عامل ربما ساعد في بقاء نسيج الرئة. ويعتقد الباحثون الذين يدرسون البقايا البشرية القديمة أن هذه الخصائص قد تساعد في تفسير العثور على أنسجة رئوية محفوظة في حالات نادرة أخرى. ومن بين الأمثلة مومياء قبطية مصرية، تمكن العلماء فيها أيضًا من تحديد وجود نسيج رئة محفوظ.
من كانت الملكة أرنيغوند؟
كانت أرنيغوند إحدى زوجات الملك كلوتير الأول، ووالدة الملك شيلبيريك الأول، ملك نيوستريا. وكانت في الأصل أميرة من تورينجيا قبل أن تنضم إلى العائلة المالكة الفرنجية من خلال زواجها. وتوفيت عن عمر يقارب 60 عاما، وهو عمر يُعد متقدما نسبيا وفقا لمعايير ذلك العصر.
وبعد نحو 1400 عام من وفاتها، أصبحت رئة أرنيغوند المحفوظة شاهدا نادرا على طرق الدفن والتحنيط في العصور الوسطى المبكرة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه التفاعلات الكيميائية بين المواد المستخدمة في التحنيط والمقتنيات المدفونة مع الموتى في مقاومة التحلل عبر القرون.

مواضيع قد تعجبك