*
السبت: 29 أغسطس 2026
  • 29 أغسطس 2026
  • 12:03
أهلي مش موافقين عذر أم اختبار للنضج
الكاتب: د. أحلام ناصر

قد تبدو القصة عادية ومتكررة، شاب وفتاة تجمعهما علاقة حب، يتحدثان عن الزواج، ويخططان للمستقبل، ثم تأتي الزيارة العائلية الأولى، وبعدها بساعات أو أيام تنتهي الحكاية بجملة مقتضبة: ما في نصيب او أهلي لم يوافقوا، لاسباب مختلفة منها حقيقية او غير حقيقية، لكن خلف هذه الجملة سؤال أعمق من قصة حب انتهت، من يملك قرار الزواج فعلًا؟

من الطبيعي أن يهتم الإنسان برأي أسرته، بل إن قبول العائلتين قد يكون عاملًا مهمًا في استقرار الزواج، وتشير دراسات في العلاقات الأسرية إلى ارتباط قبول الأسرة للشريك بجودة أفضل للعلاقة وانخفاض الصراع الزوجي لاحقًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول رأي الأسرة من مصدر للمشورة إلى سلطة تلغي قدرة الابن أو الابنة البالغين على اتخاذ القرار.

وهنا يجب التفريق بين احترام الوالدين والخضوع الكامل لهما، النضج لا يعني أن يقاتل الرجل أسرته من أجل الفتاة، كما لا يعني أن يتخلى عنها فور اعتراضهم، النضج هو أن يسأل اولًا لماذا ترفضون؟ هل هناك أسباب حقيقية تتعلق بالأخلاق أو السلوك أو التوافق الاجتماعي والثقافي والقيمي؟ أم أن الاعتراض قائم على المنطقة أو اللهجة أو الصورة التي تحملها الأسرة عن نفسها وعن الآخرين؟

فالزواج لا يحدث بين شخصين معزولين عن محيطهما، واختلاف البيئات الاجتماعية والثقافية قد يكون مهمًا فعلًا، لكن الاختلاف بحد ذاته ليس حكمًا بالفشل، السؤال هو هل تختلف القيم أم تختلف المظاهر؟ وهل يمكن إدارة الاختلاف أم لا؟ وهل ذلك سيؤثر على إدارة الازمات التي تحدث خلال وبعد الزواج ام لا؟ الأكثر أهمية في مثل هذه الحالات ليس رفض الأم، بل رد فعل الشريك تجاه الرفض وكيفية التعامل مع الموقف والذي يدل على نضجه الفعلي.

فالشخص الذي ينتقل خلال ساعات من التخطيط للزواج إلى الموضوع انتهى يكشف معلومة مهمة عن طريقة اتخاذه للقرارات وحدوده مع أسرته، وهذه المعلومة لا ينبغي تجاهلها، لأن الزواج سيضعه لاحقًا أمام اختبارات أصعب منها قرارات السكن، والعمل، والمال، وتربية الأبناء، والزيارات، والخلافات بين الزوجة وأسرته.

لذلك أقول للفتاة التي تتعرض لمثل هذا الموقف، لا تطرحي سؤال (ماذا ينقصني حتى رفضوني؟)، فالرفض لا يعني أنك أقل جمالًا أو تعليمًا أو قيمة، الزواج ليس مسابقة يفوز فيها الأفضل، بل علاقة يبحث فيها الإنسان عن الشخص الأكثر توافقًا معه.

ولا تحاولي إقناع أسرة رفضتك أو الدخول في معركة لإثبات أنك تستحقينهم، وإذا عاد الشريك لاحقًا، فلا يكفي أن يقول «اشتقت لك» أو «أقنعت أهلي»، السؤال الأهم هو، ما الذي تغير في قدرته على اتخاذ قراره ووضع الحدود؟

أحيانًا يكون الرفض قبل الزواج مؤلمًا، لكنه يكشف مبكرًا ما كان اكتشافه بعد الزواج أكثر ألمًا وكلفة، فلا تسألي فقط، لماذا لم يقاتل من أجلي؟ اسألي هل كان مستعدًا أصلًا لأن يكون شريكًا قادرًا على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته؟

وأخيرًا، ربما تكون أقسى حقيقة في مثل هذه القصص أن الحب وحده لا يصنع زواجًا، فالزواج يحتاج إلى شخصين قادرين على الانتقال من موقع الابن والابنة داخل أسرتهما إلى موقع الشريكين المسؤولين عن أسرة جديدة، من دون عقوق للأهل ومن دون تسليمهم مفاتيح حياتهما، ومن لا يستطيع حماية قراره اليوم أمام اعتراض على لهجة أو منطقة أو مستوى اجتماعي، قد يجد صعوبة غدًا في حماية بيته أمام خلاف أكبر، لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى كل علاقة انتهت قبل الزواج باعتبارها حبًا ضاع، أحيانًا تكون حقيقة ظهرت في الوقت المناسب، الخطوبة ليست فقط طريقًا إلى الزواج، بل مساحة لاكتشاف هل الشخص الذي أحببناه قادر فعلًا على أن يكون الشريك الذي نستطيع أن نبني معه حياة؟

مواضيع قد تعجبك