*
الخميس: 27 أغسطس 2026
  • 27 أغسطس 2026
  • 15:21
من 100 مليار إلى 27 مليار دولار كيف انهارت قيمة شي إن

خبرني - بدت شركة "شي إن" قبل 4 سنوات فقط وكأنها اكتشفت الوصفة التي ستعيد تشكيل صناعة الأزياء العالمية، وذلك عبر آلاف التصميمات الجديدة يوميا، وأسعار يصعب على المتاجر التقليدية مجاراتها، وخوارزميات تلتقط ما يريده المستهلك قبل أن يتحول إلى موضة واسعة الانتشار، وفي ربيع 2022، منح المستثمرون الشركة تقييما اقترب من 100 مليار دولار، لتصبح إحدى أعلى الشركات الناشئة الخاصة قيمة في العالم.

لكن الصورة التي تصل بها الشركة إلى سوق الأسهم مختلفة تماما، إذ تعرض الشركة أسهمها في هونغ كونغ عند قيمة سوقية استرشادية تتراوح بين 202.1 و210.2 مليارات دولار هونغ كونغ (نحو 25.7 إلى 26.8 مليار دولار أمريكي)، بما يعني تلاشي قرابة ثلاثة أرباع تقييمها في ذروة 2022، وفق ما لفتت إليه صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

ولم تكن لـ"شي إن" قبل الطرح قيمة سوقية بالمعنى المرتبط بالشركات المدرجة، بل تقييمات خاصة حددتها جولات التمويل وصفقات بيع الأسهم بين المستثمرين، أما طرح هونغ كونغ، فهو أول اختبار علني لسعر الشركة أمام سوق واسعة، ويكشف الفجوة بين توقعات مستثمري رأس المال المغامر في زمن النمو السريع.

 

160 سوقا

بدأت رحلة الشركة في الصين عام 2012 على يد 4 مؤسسين، قبل اعتماد اسم "شي إن" في العام التالي وإطلاق تطبيقها للهواتف عام 2015، وهي اليوم شركة قابضة مسجلة في جزر كايمان، وتتخذ من سنغافورة مقرا لها، بينما بقي القسم الأهم من شبكة الإنتاج والموردين مرتبطا بالصين، رغم أن الشركة لا تبيع منتجاتها داخل السوق الصينية.

وتصف "شي إن" نفسها بأنها شركة أزياء ونمط حياة عالمية عبر الإنترنت، خَدَمت نحو 273 مليون عميل نشط في قرابة 160 سوقا خلال 2025، وبلغت إيراداتها في ذلك العام 41.8 مليار دولار، كما سجلت أكثر من مليار طلب شراء، بعدما كان العدد 715 مليونا عام 2023، حسب بيانات الشركة ونشرة الطرح.

أما جوهر تفوقها فكان نموذج "الاختبار وإعادة الطلب الآلي واسع النطاق"، فبدلا من تصنيع عشرات الآلاف من القطع قبل معرفة حجم الطلب، تبدأ "شي إن" عادة بدفعات صغيرة لا تتجاوز 100 إلى 200 قطعة، ثم تراقب تفاعل المستخدمين والمبيعات لحظيا، وتطلب مزيدا من التصميمات الناجحة خلال مدة قد لا تتجاوز 5 أيام، وفق نموذج عمل الشركة الذي تعلنه.

وسمح هذا النموذج بعرض أكثر من مليوني تصميم للملابس، وإضافة نحو 4700 تصميم جديد يوميا في الربع الأول من 2026، مع إبقاء المخزون غير المبيع عند نسبة من خانة الآحاد، ودوران المخزون خلال 36 يوما عام 2025.

وبهذا صارت "شي إن" شبكة بيانات وتصميم وتصنيع وشحن تعمل كأنها مصنع لحظي مرتبط مباشرة بهواتف المستهلكين، وفق ما تشير إليه نشرة الطرح.

 

صعود صاروخي

بدأ سلم التقييم من مستويات متواضعة نسبيا، إذ قدرت جولة التمويل الأولى عام 2014 قيمة الشركة قبل الاستثمار بنحو 53 مليون دولار، وجمعت منها 5 ملايين دولار، وفي جولة لاحقة، حصلت على 169 مليون يوان (25.14 مليون دولار)، قبل أن يقفز تقييمها في جولة 2018 إلى 2.4 مليار دولار، مقابل تمويل بلغ 243 مليون دولار.

وفي مارس/آذار 2020، وهو الشهر الذي تحولت فيه جائحة كورونا إلى إغلاق عالمي واسع، بلغ تقييم الشركة قبل الاستثمار 5 مليارات دولار، ومع إغلاق المتاجر وانتقال الإنفاق إلى التطبيقات، وجدت "شي إن" نفسها متجرا رقميا بالكامل، يعرض منتجات رخيصة، وذا قدرة على تغيير المعروض بسرعة، إضافة إلى جمهور شاب يتلقى توصيات الموضة من شبكات التواصل الاجتماعي، وفق فايننشال تايمز.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، رفعت صفقة بين مساهمين تقييم الشركة إلى 60.5 مليار دولار، لكنها لم تضخ أموالا جديدة في خزينة "شي إن".

وبعد أسابيع، باعت الشركة أسهما ممتازة في جولة جمعت منها نحو 1.8 مليار دولار، على أساس تقييم قبل الاستثمار بلغ 98.2 مليار دولار، وهو المستوى الذي جرى تقريبه إعلاميا إلى 100 مليار دولار.

وحسب مجلة الإيكونومست البريطانية، كان ذلك التقييم يعكس أكثر من حجم المبيعات، فقد راهن المستثمرون على استمرار معدلات النمو الاستثنائية، وعلى تحول "شي إن" إلى منصة عالمية تجمع بين سرعة "تيك توك" في اكتشاف الاتجاهات، وكفاءة شركات التكنولوجيا في تحليل البيانات، وقدرة المصانع الصينية على الإنتاج منخفض التكلفة.

 

أول هبوط

لم يصمد التقييم طويلا، حسب فايننشال تايمز، فمع تراجع أسهم التكنولوجيا وارتفاع أسعار الفائدة أواخر 2022، بدأت أسهم "شي إن" في السوق الثانوية تُتداول عند مستويات قدرت قيمة الشركة بما بين 65 و85 مليار دولار، وفي جولة 2023، اضطرت الشركة إلى قبول تقييم قدره 64 مليار دولار، رغم جمعها 1.7 مليار دولار إضافية، وفق نشرة الطرح.

وتكشف النشرة حجم الخسارة الدفترية التي يواجهها مشتريي السهم في مستويات عالية، فقد بلغ متوسط كلفة السهم المعدلة في جولة 2022 نحو 23.72 دولارا أمريكيا، بينما تعادل نقطة منتصف النطاق السعري لطرح هونغ كونغ نحو 6.2 دولارات فقط، أما مستثمرو جولة 2023، بلغت كلفتهم المعدلة 15.02 دولارا للسهم، أي أكثر من ضعفي سعر الطرح المقترح.

ولم يكن هذا الهبوط مجرد انعكاس لتغير مزاج السوق، فقد ارتفعت إيرادات "شي إن" من 32.1 مليار دولار عام 2023 إلى 38.7 مليار دولار عام 2024، بنمو يقارب 21%، لكنها لم تتجاوز 41.8 مليار دولار عام 2025، أي إن النمو تباطأ إلى نحو 8%، وفي الربع الأول من 2026، زادت الإيرادات 1.1% فقط إلى 9.05 مليارات دولار.

 

نهاية الإعفاءات الجمركية

وحسب تقرير صدر من مجلس النواب الأمريكي، كان أحد أسرار نموذج "شي إن" قدرتها على إرسال الطلبات الصغيرة مباشرة من الصين إلى المستهلك الأمريكي، مستفيدة من قاعدة "دي مينيميس" التي أعفت الشحنات التي تقل قيمتها عن 800 دولار من الرسوم الجمركية، وبما أن معظم طلبات الملابس الرخيصة تقع دون هذا الحد، استطاعت الشركة تجنب جزء مهم من التكاليف التي تتحملها المتاجر التي تستورد بضائعها بكميات تجارية كبيرة.

لكن الولايات المتحدة أنهت الإعفاء للسلع الواردة من الصين وهونغ كونغ ابتداء من الثاني من مايو/أيار 2025.

وتقول "شي إن" إن منتجاتها ذات المنشأ الصيني أصبحت معرضة لمعدلات ضرائب ورسوم تتراوح بين 10% و87.5%، وإنها بدأت منذ مايو/أيار 2025 تمرير معظم التكاليف الإضافية إلى المستهلك الأمريكي عبر رفع الأسعار.

وظهر الأثر سريعا، فقد انخفضت إيرادات الشركة من السوق الأمريكي بـ14.3% في الربع الأول من 2026، إلى نحو ملياري دولار، كما تراجعت حصة الولايات المتحدة من إجمالي إيرادات الشركة من 29.4% عام 2023 إلى 24.1% عام 2025، ثم إلى 22.5% في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026.

ولم تعد أوروبا ملاذا بديلا خاليا من التكلفة، إذ ألغى الاتحاد الأوروبي في الأول من يوليو/تموز 2026 الإعفاء الجمركي للشحنات التي لا تتجاوز قيمتها 150 يورو، وفرض رسما مؤقتا قدره 3 يوروات على كل فئة جمركية داخل الشحنة، وبذلك تعرضت الركيزة الجمركية للنموذج لضغط متزامن في أكبر سوقين للشركة.

 

نسخ مشابهة

في الوقت نفسه، لم يعد نموذج الأزياء فائقة السرعة حكرا على "شي إن"، حسب الإيكونومست، فقد أطلقت "بي دي دي هولدنغز" منصة "تيمو" في الولايات المتحدة عام 2022، ثم دخل "تيك توك شوب" السوق الأمريكي بصورة كاملة في سبتمبر/أيلول 2023، جامعا بين مقاطع الفيديو والترشيحات الخوارزمية والشراء المباشر، وهي المساحة نفسها التي بنت فيها "شي إن" جاذبيتها لدى الشباب.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أضافت أمازون خدمة "هاول"، التي تعرض منتجات لا تزيد أسعارها على 20 دولارا، ومعظمها دون 10 دولارات، مع قبول مدة شحن أطول مقابل السعر المنخفض، وهكذا أصبحت "شي إن" تنافس منصات تمتلك إما قاعدة مستخدمين ضخمة وشبكة لوجيستية عالمية، أو قدرة على إنفاق مليارات الدولارات لاكتساب العملاء، وفق فايننشال تايمز.

وتكشف حسابات الشركة كلفة تلك المنافسة، فقد قفز الإنفاق التسويقي 48.9% عام 2025 إلى 6.19 مليارات دولار، وارتفع من 10.7% إلى 14.8% من الإيرادات، وفي الربع الأول من 2026، زاد الإنفاق التسويقي 31.4% إلى 1.43 مليار دولار، أي 15.8% من الإيرادات، في وقت لم تتجاوز فيه زيادة المبيعات 1.1%.

وزادت مصروفات تنفيذ الطلبات والشحن بدورها من 42.8% من الإيرادات في الربع الأول من 2025 إلى 47.7% في الربع الأول من العام الجاري، نتيجة نمو حجم الطلبات وارتفاع كلفة الرسوم الأمريكية، إلى جانب توسع نموذج السوق الذي يتيح لبائعين خارجيين استخدام المنصة.

نتيجة ذلك تراجعت أرباح التشغيل الفصلية من 348 مليون دولار إلى 258 مليونا، وهو ما يفسر خوف المستثمرين من أن تتحول زيادة المبيعات إلى نمو مكلف لا ينتج هوامش أعلى.

 

معضلة الإدراج

بدأت "شي إن" مساعي الإدراج في نيويورك، لكن المشروع اصطدم بمعارضة مشرعين أمريكيين وتساؤلات بشأن إعفاءات الشحن واحتمال وجود مواد مرتبطة بإقليم شينجيانغ في سلسلة التوريد.

وتقول الشركة إنها تتبع سياسة عدم تسامح مطلقا مع العمل القسري، وإن مدونة مورديها تحظر العمل القسري وعمالة الأطفال، بينما تنفي بكين الاتهامات الغربية المتعلقة بانتهاكات العمل في الإقليم، وفق ما تناول تقرير لجنة مجلس النواب الأمريكي ورد شي إن وسياسات الموردين.

وانتقلت الشركة بعد ذلك إلى لندن، وحصلت على موافقة أولية من هيئة السلوك المالي البريطانية، لكن الخطة تعطلت مع عدم حصولها على الضوء الأخضر الصيني، وسط خلاف بشأن صياغة إفصاحات المخاطر المرتبطة بشينجيانغ، وفي مايو/أيار 2025، تحولت إلى الخطة الثالثة وهي الإدراج في هونغ كونغ، حيث يصبح التنسيق مع الجهات الصينية أكثر سهولة.

وفي 10 يوليو/تموز 2026، أصدرت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية إخطار التسجيل الذي يسمح للشركة بإصدار ما يصل إلى 341.6 مليون سهم والإدراج في هونغ كونغ.

لكن انتقال الشركة بين 3 بورصات محتملة خلال نحو 4 سنوات أطال فترة عدم اليقين، وأجبر المستثمرين على تقييمها بوصفها شركة تقع في قلب التنافس السياسي والتنظيمي بين الصين والغرب، وفق ما ذكرت فايننشال تايمز.

وفوق ذلك، فتحت المفوضية الأوروبية في فبراير/شباط 2026 تحقيقا رسميا بموجب قانون الخدمات الرقمية، يشمل تصميم المنصة الذي قد يدفع إلى الاستخدام الإدماني، وشفافية أنظمة التوصية، وإجراءات منع بيع المنتجات غير القانونية بواسطة البائعين الخارجيين.

كما كشفت نشرة الطرح أن لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية تحقق في عمليات الشركة داخل الولايات المتحدة، من دون إعلان موضوع التحقيق أو نتيجته المحتملة.

 

خسارة محاسبية أم انهيار تشغيلي؟

سجلت "شي إن" ربحا صافيا بلغ 3.37 مليارات دولار عام 2024، لكنه تراجع 38.7% إلى 2.06 مليار دولار عام 2025، قبل أن تتحول إلى خسارة صافية قدرها 99 مليون دولار في الربع الأول من 2026، مقارنة بربح 395 مليونا في الفترة نفسها من العام السابق.

لكن وصف الشركة بأنها أصبحت خاسرة تشغيليا لا يعكس الصورة كاملة، فقد حققت في الربع الأول ربح تشغيل قدره 258 مليون دولار، وكانت الخسارة الصافية مدفوعة أساسا بخسارة محاسبية قيمتها 328 مليون دولار ناتجة عن إعادة تقييم الأسهم الممتازة القابلة للتحويل والاسترداد، وبلغ صافي الربح المعدل، بعد استبعاد هذا البند وعناصر أخرى، نحو 271 مليون دولار.

كما أن الشركة لا تواجه أزمة سيولة فورية، إذ بلغت مواردها النقدية، بما فيها الودائع والاستثمارات قصيرة الأجل، نحو 14.83 مليار دولار في نهاية مارس/آذار 2026.


وتعتزم "شي إن" تخصيص:

%40 من حصيلة الطرح للتكنولوجيا.
%40 للتسويق وتعزيز الحضور العالمي،.
%10 لمبادرات المسؤولية المؤسسية،.
الباقي للأغراض العامة.
غير أن حجم السيولة المتاحة يشير إلى أن الإدراج لا يتعلق بالحصول على تمويل عاجل بقدر ما يتعلق بتوفير سعر علني للسهم ومسار سيولة للمستثمرين القدامى بعد سنوات من تأجيل التخارج.

وتعرض الشركة نحو 280 مليون سهم من الفئة "بي" بسعر يتراوح بين 47.60 و49.50 دولارا هونغ كونغ للسهم (6.07 دولارات أمريكية-6.31 دولارات).

ومن المقرر إعلان السعر النهائي ونتائج التخصيص بحلول 31 أغسطس/آب الحالي، على أن يبدأ تداول السهم في بورصة هونغ كونغ صباح الأول من سبتمبر/أيلول المقبل.

وسيحتفظ المؤسس والرئيس التنفيذي شو يانغتيان بنحو 49.9% من حقوق التصويت بعد الإدراج، رغم امتلاكه ما يقارب 30.3% من الأسهم، بفضل هيكل يمنح أسهم الفئة "إيه" 10 أصوات للسهم مقابل صوت واحد للفئة "بي"، وبذلك تحصل الشركة على سيولة وتسعير عام، من دون أن يفقد المؤسس السيطرة الفعلية عليها.

وحسب الإيكونومست، فإن ما انهار، حتى الآن، ليس حجم "شي إن" ولا قدرتها على بيع مئات الملايين من الطلبات، بل الرواية التي صنعت تقييم 2022.

مواضيع قد تعجبك