خبرني - في محافظة معان، حيث يواجه المجتمع المحلي تحديات متزايدة مرتبطة بشح المياه وارتفاع درجات الحرارة والظروف المناخية المتغيرة، بدأت المعرفة حول التكيف مع تغير المناخ تتحول إلى أفكار ومبادرات تقودها نساء من المجتمع المحلي.
ومن بين المشاركات في دورة "النساء الرائدات في مجال التكيف مع تغير المناخ"، برزت تجربتا فوزية الحسنات و أماني محمد الطورة كنموذجين يعكسان كيف يمكن للتدريب أن يتجاوز حدود اكتساب المعرفة، ليصبح بداية لتغيير ملموس داخل الأسرة والمجتمع.
وتُظهر فوزية وأماني أن بناء القدرة على التكيف لا يبدأ فقط من المشاريع والبنية التحتية، بل يبدأ أيضًا من الإنسان من امرأة تتعلم، وتطبق، ثم تنقل ما تعلمته إلى أسرتها ومجتمعها.
جاء تدريب فوزية و أماني ضمن المرحلة الأولى من برنامج تدريب 200 امرأة في المحافظات الأربع المستهدفة بمشروع بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ في الأردن من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه في قطاع الزراعة (BRCCJ)، وذلك ضمن هدف أوسع لإنشاء كادر نسائي يضم 400 امرأة رائدة في مجال التكيف مع تغير المناخ يعملن كعوامل تغيير في مجتمعاتهن.
وتوزعت المشاركات في المرحلة الأولى بواقع 48 امرأة في معان، و50 في الطفيلة، و50 في مادبا، و52 في الكرك، وخضعن لبرنامج تدريبي امتد لـ30 يومًا تدريبيًا على مدار شهرين، بالاعتماد على مواد تدريبية متخصصة.
فوزية الحسنات: عندما تتحول المعرفة إلى عمل مجتمعي
فوزية الحسنات من مدينة البتراء، أخذت تجربتها التدريبية إلى مستوى جديد، من خلال نقل ما تعلمته إلى النساء والشباب في مجتمعها المحلي.
تعمل فوزية مع جمعية سيدات الأنباط التعاونية، حيث تساهم في تمكين النساء وتطوير مهاراتهن والحفاظ على الحرف النبطية، وخاصة صياغة الفضة، وتحويل التراث إلى منتجات تحمل هوية المكان وقصته، مع العمل على فتح أسواق وفرص اقتصادية جديدة.
وتقول:"علمتني هذه التجربة أن التنمية الحقيقية تعني أن نمنح المرأة المعرفة والأدوات التي تساعدها على مواجهة المستقبل، وليس فقط فرصة للعمل."
وبعد انتهاء التدريب، مع المدربة المهندسة الطيف النعيمات، لم تحتفظ فوزية بما تعلمته لنفسها، بل بدأت في الجمعية بتدريب 10 سيدات و5 شباب في مدينة البتراء على الزراعة المائية، لتصبح بدورها ناقلة للمعرفة إلى المجتمع المحلي.
وترى أن الزراعة المائية، إلى جانب ممارسات الزراعة المستدامة، يمكن أن توفر فرصًا جديدة للنساء والشباب، خصوصًا في ظل شح المياه والتحديات الاقتصادية التي تواجه المجتمعات المحلية.
بالنسبة لفوزية، لا تتعارض المحافظة على التراث النبطي مع التطلع إلى المستقبل؛ بل يمكن أن يلتقيا في نموذج تنموي يربط بين تمكين المرأة، والحفاظ على الهوية المحلية، والزراعة المستدامة والتكيف مع تغير المناخ.
وتتطلع إلى استضافة مدرسة حقلية تنظمها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في البتراء، لتوفير فرصة للنساء والشباب لمواصلة التعلم العملي وتبادل الخبرات حول الزراعة والتكيف مع تغير المناخ.
وترى أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تشكل فرصة مهمة للمجتمع المحلي في البتراء، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها القطاع السياحي نتيجة الظروف السياسية في المنطقة، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وخلق فرص جديدة للنساء والشباب.
أماني الطورة: المعرفة التي تبدأ من المنزل
قبل مشاركتها في الدورة، كانت أماني تسمع كثيرًا عن تغير المناخ وآثاره، لكنها لم تكن تدرك بصورة كاملة مدى ارتباط هذه الظاهرة بحياتها اليومية، وخاصة في ظل شح المياه وارتفاع درجات الحرارة.
وتقول:" إن التدريب غيّر نظرتها إلى تغير المناخ، وجعلها أكثر وعيًا بالتحديات التي تواجه الزراعة والمياه والأمن الغذائي، والأهم من ذلك أنه جعلها تدرك أن التكيف لا يعني انتظار المشكلات، بل الاستعداد لها واتخاذ خطوات عملية من الآن."
وخلال التدريب، تعرّفت أماني من خلال مدربتها المهندسة بتول الهباهبة على أهمية ترشيد استخدام المياه وتبني أساليب زراعية تتناسب مع الظروف المناخية، وهو ما دفعها إلى التفكير في كيفية الاستفادة من المساحات المتاحة في منزلها، وتطبيق أساليب زراعية حديثة مثل الزراعة المائية، إلى جانب اختيار المحاصيل المناسبة واستخدام المياه بكفاءة أكبر.
وتقول:"بعد الدورة، لم تعد المعلومات بالنسبة لي مجرد معلومات نظرية، بل أصبحت أفكارًا أطمح إلى تطبيقها في حياتي اليومية ومشاركتها مع من حولي."
وتطمح أماني إلى تطوير ما تعلمته وتطبيقه بصورة أكبر في الزراعة المنزلية والمشاريع الصغيرة، ونقل هذه المعرفة إلى أفراد مجتمعها، للمساهمة في مواجهة تحديات شح المياه وتغير المناخ بطريقة أكثر وعيًا واستدامة.
وتختصر تجربتها بالقول:"التغيير يبدأ بخطوة صغيرة، وبمعرفة بسيطة يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر."
المعرفة يمكن أن تكون نقطة البداية
إختلفت تجربة فوزية عن تجربة أماني، لكنهما إلتقتا في فكرة واحدة: أن المعرفة يمكن أن تكون نقطة البداية للتغيير.
وتجسد القصتان الهدف من بناء كادر نسائي من الرائدات في مجال التكيف مع تغير المناخ؛ نساء لا يكتفين بالتعرف إلى التحديات المناخية، بل يمتلكن المعرفة والثقة والأدوات التي تمكنهن من المساهمة في إيجاد الحلول ونقلها إلى الآخرين.
تأتي هذه القصص ضمن مشروع "بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ في الأردن من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه في قطاع الزراعة" (BRCCJ)، الذي تبلغ قيمته 33.25 مليون دولار أمريكي، ويستهدف محافظات حوض البحر الميت الأربع: الكرك، ومادبا، والطفيلة، ومعان، وهي من المناطق الأكثر تعرضًا لتغير المناخ والإجهاد المائي.
ويمتد المشروع على مدى سبع سنوات، ويمثل أول مشروع في الأردن ممولًا من صندوق المناخ الأخضر (GCF)، وينسجم مع توجهات رؤية التحديث الاقتصادي.



