*
الثلاثاء: 25 أغسطس 2026
  • 25 أغسطس 2026
  • 03:05
لماذا لا يبتسم جيل زد في الصور

خبرني - إذا تصفحت تيك توك أو إنستغرام ستلاحظ تعبيرا يتكرر في صور ومقاطع كثير من أبناء "جيل زد ": شفاه منطبقة أو بارزة قليلا، وملامح هادئة تقع بين العبوس الخفيف والتجهم. وقد أطلقت صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأمريكية على هذه الصيحة الجديدة في التصوير اسم "عبوس جيل زد" (Gen Z Pout).

ولا يعني ذلك أن هذا الجيل توقف عن الابتسام، بل إن الصورة المثالية بالنسبة لهم لم تعد مرتبطة بالضرورة بابتسامة واسعة وعفوية كما كانت لدى أجيال سابقة؛ إذ أصبحت الملامح المحايدة جزءا من اللغة البصرية لجيل نشأ والكاميرات تحيط به في كل مكان.

ومع تكرار هذا التعبير على منصات التواصل، تحول "عبوس جيل زد" تدريجيا من مجرد وضعية أمام العدسة إلى أسلوب في تقديم الذات يعكس -ولو جزئيا- طريقة مختلفة في التعامل مع الصورة والهوية الرقمية.

 

وداعا للابتسامة المبالغ فيها

لكل جيل تقريبا لغته الخاصة أمام الكاميرا؛ فقبل سنوات، كانت تعبيرات مثل "وجه البطة "، بشفاه مزمومة وعيون واسعة، من أشهر أوضاع التقاط الصور الذاتية، بينما كانت الابتسامة الواسعة تبدو القاعدة شبه الثابتة للصورة الجيدة. أما اليوم، فيميل بعض أبناء جيل زد إلى النقيض: ملامح هادئة ونظرات محايدة توحيان بأن صاحب الصورة لم يبذل جهدا ليبدو جذابا.

ويختلف "عبوس جيل زد" عن "وجه البطة" في أنه لا يعتمد على تعبير مبالغ فيه، وإنما على استعراض متعمد يبدو كأنه ليس استعراضا على الإطلاق.

ويوضح شين أونيل، محرر قسم الموضة وصيحات الإنترنت في واشنطن بوست، أن هذا التعبير يرتبط بنوع من اللامبالاة المقصودة، ورغبة لدى بعض أبناء الجيل الجديد في الابتعاد عما يرونه مبالغة أو افتعالا في صور الأجيال السابقة. بل إن الابتسامة التقليدية نفسها أصبحت، في بعض دوائر "جيل زد" عرضة للسخرية، باعتبارها تعبيرا قديما عن الرغبة في الظهور بمظهر سعيد أمام الكاميرا.

 

صور عفوية.. مخطط لها بعناية

مع الاستخدام اليومي المكثف لمنصات مثل تيك توك وإنستغرام، لم تعد الصورة الشخصية مجرد ذكرى محفوظة في الهاتف، بل أصبحت جزءا من الهوية الرقمية ووسيلة يقدم بها الشباب أنفسهم إلى الآخرين.

ومع تكرار نشر الصور، تتحول تعبيرات الوجه وزوايا التصوير والملابس، وحتى طريقة استخدام الإضاءة، إلى عناصر تكوّن مظهرا متماسكا للحساب، كما لو أنها توقيع بصري يميز صاحبه.

ومن هنا يمكن فهم انتشار "عبوس جيل زد" بوصفه أكثر من مجرد وضعية أمام الكاميرا؛ فالملامح الهادئة واللامبالية تمنح الصورة إحساسا بأن صاحبها لا يحاول جاهدا الظهور بمظهر جذاب أو سعيد، وإنما يبدو كأنه يقف أمام الكاميرا بلا اكتراث.

لكنّ المفارقة أن هذه العفوية قد تكون مدروسة بعناية؛ بدءا من زاوية الوجه ووضع الشفاه، وصولا إلى النظرة والإضاءة، بحيث تبدو الصورة طبيعية رغم التخطيط الدقيق لها.

 

المشاهير يسرّعون انتشار الموضة

لم تبقَ وضعية "عبوس جيل زد" محصورة في صور أبناء هذا الجيل؛ إذ ساهم المشاهير وصُناع المحتوى في جعلها أكثر حضورا وألفة، حتى بدأت بعض النجمات من أجيال أكبر في تبني الملامح نفسها أمام الكاميرا، في مواكبة للغة البصرية التي رسخها الجيل الأصغر على منصات التواصل.

وخلال إحدى جولاتها في لندن للترويج لأحد ألبوماتها، ظهرت المغنية الأمريكية ليدي غاغا بملامح عابسة، فسألها أحد المعجبين: "غاغا، لماذا تبدين حزينة؟ "، لتجيبه: "أنا لست حزينة، إنها مجرد موضة".

ومع تكرار هذا التعبير في صور المشاهير ومقاطع تيك توك وإنستغرام، أصبح مألوفا لدى جمهور أوسع، قبل أن ينتقل إلى صور المستخدمين العاديين. وهكذا أسهم انتشار الصيحة بين المشاهير وعلى المنصات في تحويلها من تعبير عابر أمام الكاميرا إلى علامة بصرية تتجاوز حدود العمر، وموضة يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

 

هل تعكس الصور مزاج الجيل؟

من السهل تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد موضة، لكن هناك قراءة أخرى أكثر تعقيدا.

فالحياة أمام الكاميرا تعني أيضا الحياة تحت المراقبة الرقمية؛ إذ يمكن أن تستقبل الصورة إعجابا أو تعليقا أو مقارنة أو انتقادا خلال دقائق، مما يجعل الطريقة التي يظهر بها الشخص أمام الآخرين جزءا من حضوره على المنصات.

وترى الدكتورة تارا ويل، أستاذة علم النفس في كلية برنارد بجامعة كولومبيا، في تقرير نشرته على موقع "سيكولوجي توداي " (Psychology Today)، أن صور "جيل زد" المحايدة قد تكون أكثر من مجرد وضعية للتصوير، وتطرح ويل تفسيرات عدة محتملة للظاهرة، منها أن الملامح المحايدة قد تمنح صاحبها قدرا من الحماية من أحكام الآخرين، خصوصا في بيئة رقمية يخشى فيها الشباب الظهور بمظهر "المتصنع " أو المبالغ في الحماس.

 

أكثر من مجرد "عبوس"

ربما لهذا يبدو عبوس جيل زد أكبر من مجرد طريقة جديدة لوضع الشفاه؛ فهو يعكس تحولا في مفهوم الصورة المثالية وطريقة تقديم الذات أمام الكاميرا، فجيل نشأ وسط الفلاتر وتطبيقات تعديل الصور أصبح أكثر وعيا بأن ما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة صورة كاملة للحظة الحقيقية، ولذلك قد تبدو الملامح الهادئة أو غير المبتسمة ابتعادا عن الصورة التقليدية للسعادة المصطنعة.

لكن المفارقة أن الظهور بمظهر غير متكلف أصبح هو الآخر أسلوبا جماليا يجري اختياره بعناية، وقد تختفي هذه الصيحة غدا لتحل محلها تعبيرات أخرى، لكن ما تكشفه يتجاوز الموضة نفسها، فالصورة لم تعد مجرد تسجيل للحظة، بل أصبحت وسيلة لتقديم الذات وبناء الهوية على المنصات الرقمية.

مواضيع قد تعجبك