المحامي عبدالرحيم الزواهره
ليست كل الزيارات الملكية مجرد محطات دبلوماسية عابرة، بعضها يأتي في توقيت يحمل دلالات تتجاوز المناسبة ليصبح جزءا من رؤية أوسع تتصل بمستقبل الدولة وموقعها وقدرتها على صناعة الفرص.
ومن هذا المنظور تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين باعتبارها محطة مهمة في مسار السياسة الأردنية وفي بناء مرحلة جديدة من الشراكة مع قوة دولية أصبحت اليوم لاعبا رئيسيا في الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة والابتكار.
فالزيارة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، العالم يتغير بسرعة والصين تتحول إلى واحدة من أهم مراكز الاقتصاد والتكنولوجيا في العالم والأردن من جهته يمضي في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي ويبحث عن فرص جديدة للاستثمار ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وفتح أسواق أوسع أمام اقتصاده.
وهنا تظهر الرؤية الملكية الثاقبة التي لا تنتظر المستقبل حتى يأتي إليها بل تذهب إليه.
العلاقة الأردنية الصينية ليست وليدة اليوم، فقد تطورت خلال العقود الماضية إلى شراكة استراتيجية ويستعد البلدان العام المقبل للاحتفال بمرور خمسين عاما على العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهذا يمنح الزيارة بعدا إضافيا ويؤسس لمرحلة يمكن أن تكون أكثر عمقا واتساعا.
والأهم أن الأردن لا يذهب إلى الصين بحثا عن علاقة بديلة مع أحد ،هذه ليست طبيعة السياسة الأردنية ولا المدرسة الهاشمية التي قامت دائما على الانفتاح وبناء الجسور مع الجميع.
الأردن يعرف أن العالم لا يتحرك في اتجاه واحد ، ولذلك يحافظ على علاقاته مع مختلف القوى الدولية ويفتح أبوابه أمام كل شراكة يمكن أن تضيف إلى اقتصاده وتخدم مصالحه الوطنية.
وهذه ميزة أساسية في الدبلوماسية الأردنية ، أن تكون عمان صديقة للجميع وشريكة لمن يملك القدرة على المساهمة في مسيرتها التنموية من دون أن تفقد بوصلتها أو استقلال قرارها.
أما الصين اليوم فهي ليست فقط سوقا ضخمة ولا مصنعا للعالم كما كانت توصف في الماضي، إنها قوة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات الحديثة والاتصالات والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية للأردن.
فالمرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على زيادة التبادل التجاري أو استقطاب الاستثمارات التقليدية، الطموح الأكبر هو بناء شراكات تنقل المعرفة والتكنولوجيا وتفتح المجال أمام التصنيع والاستثمار في الطاقة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي واللوجستيات والسياحة والتعليم والتدريب.
الأردن يمتلك موقعا استراتيجيا وشبابا متعلما ومؤهلا واستقرارا سياسيا وأمنيا وعلاقات واسعة مع الأسواق العربية والدولية، والصين تمتلك رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.
عندما تلتقي هذه العناصر يمكن أن تتحول العلاقة من مجرد تعاون اقتصادي إلى شراكة تصنع قيمة حقيقية للأردن.
وهنا أيضا تظهر أهمية الموقع الأردني، فالأردن يستطيع أن يقدم نفسه للصين ليس كسوق فقط وإنما كبوابة إلى أسواق أوسع، والاستثمار الذي ينتج في الأردن ويصدر منه يمكن أن يصبح محركا للصناعة وفرص العمل والنمو الاقتصادي.
ولعل أجمل ما في هذه الزيارة أنها تعكس فلسفة هاشمية راسخة تقوم على قراءة العالم كما سيكون وليس كما هو فقط.
جلالة الملك يدرك أن التحولات الكبرى تصنع فرصا جديدة وأن الدول التي تتحرك مبكرا هي التي تحصد نتائجها ، ولذلك فإن الانفتاح على الصين ليس مجرد خطوة اقتصادية بل هو جزء من سياسة أوسع تهدف إلى توسيع خيارات الأردن وتعزيز قدرته على التعامل مع عالم متعدد الأقطاب.
الأردن لا يبحث عن النفوذ من أجل النفوذ ولا عن العلاقات لمجرد الحضور، هو يبحث عن الشراكات التي تخدم أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبل أبنائه.
ومن هنا فإن زيارة جلالة الملك إلى الصين يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها الاستثمار في المستقبل.
مرحلة يكون فيها الأردن أكثر حضورا في الاقتصاد العالمي وأكثر قدرة على جذب التكنولوجيا والاستثمارات وأكثر انفتاحا على الأسواق الجديدة.
إنها في جوهرها زيارة إلى المستقبل من بوابة الصين.
والرسالة الأهم أن الأردن لا ينتظر الفرص حتى تأتي إليه، الأردن يذهب إليها بثقة وبعلاقات متوازنة وبقيادة تعرف كيف توسع دائرة الأصدقاء والشركاء وتحول الانفتاح السياسي إلى فرص اقتصادية وتنموية.
وهذه هي واحدة من أهم ملامح الرؤية الملكية التي أثبتت على الدوام أن قوة الأردن ليست في حجمه فقط بل في قدرته على بناء العلاقات وقراءة التحولات وصناعة الخيارات.
فالمستقبل لا ينتظر أحدا ، والأردن في ظل القيادة الهاشمية اختار أن يكون حاضرا فيه.



