خبرني - أظهر تقرير التنمية العالمي 2026، الصادر عن مجموعة البنك الدولي تحت عنوان "وعد الذكاء الاصطناعي"، أن الأردن ضمن الاقتصادات التي تمتلك فرصة للاستفادة من التحول المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، خصوصا في مجال الخدمات القابلة للتصدير، ورفع الإنتاجية، وتطوير المهارات.
غير أن التقرير أكد أن هذا التحول يتطلب الاستثمار في المهارات والبنية التحتية الرقمية والمعرفة لدى الشركات، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من الوصول إلى حلول الذكاء الاصطناعي وتكييفها مع احتياجات السوق المحلية.
وبيّن التقرير أن ثمة تحديات ما تزال تحد من سرعة تبني الشركات الأردنية لهذه التقنيات، تتمثل في الكلفة المرتفعة بوصفها العائق الأبرز، تليها محدودية المعرفة بالحلول، ثم مخاوف الخصوصية والأمن، ونقص العمالة المؤهلة.
ويصنف التقرير الأردن، إلى جانب مصر والمغرب، ضمن مراكز تصدير الخدمات الإقليمية، وهو ما يمنح المملكة فرصة للاستفادة من الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية والمعرفية في الأسواق الخارجية، مع إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجية العاملين وتوسيع نطاق الخدمات التي تستطيع الشركات الأردنية تقديمها.
ويرى التقرير، الذي اطلعت عليه "الغد"، أن الذكاء الاصطناعي يوفر للدول النامية فرصة للوصول إلى قدرات وخبرات كانت مكلفة أو محدودة التوافر، بما يساعد الشركات على تحسين عملياتها وتطوير منتجاتها وخدماتها، كما يمكن أن يسهم في تحسين الخدمات العامة وتسريع النمو الاقتصادي.
صادرات الخدمات.. فرصة الذكاء الاصطناعي للأردن
ويكتسب تصنيف الأردن ضمن مراكز تصدير الخدمات الإقليمية أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الشركات الأردنية على زيادة الإنتاجية وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية والمعرفية الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
وبحسب التقرير، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح المجال أمام شركات جديدة للدخول في أنشطة تعتمد على الخدمات الرقمية، ويمنح الشركات القائمة قدرة أكبر على تقديم خدمات أكثر تعقيدا وبكلفة أقل، ما يعزز قدرتها التنافسية إقليميا ودوليا.
358 شركة أردنية تحت المجهر
وتستند بيانات التقرير المتعلقة بقطاع الأعمال الأردني إلى مسح شمل 358 شركة تضم خمسة موظفين أو أكثر، وتعمل في قطاعات التصنيع والإنشاءات والخدمات.
ومن جهة أخرى، تظهر نتائج المسح أن معدلات تبني الذكاء الاصطناعي في الشركات الأردنية ما تزال منخفضة نسبيا مقارنة ببعض الاقتصادات النامية الأخرى، إذ يضع التقرير الأردن، إلى جانب الهند والمكسيك وتايلاند، ضمن الاقتصادات ذات مستويات التبني المنخفضة نسبيا، مقابل معدلات أعلى في دول مثل كينيا ونيجيريا.
ويمثل انخفاض التبني، في المقابل، مساحة واسعة للنمو، خصوصا أن غالبية الشركات في الاقتصادات النامية تمتلك بالفعل بعض الأدوات الرقمية التي يمكن البناء عليها للانتقال إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، مثل تطبيقات التواصل والمراسلة، والمواقع الإلكترونية، والبرمجيات الإدارية، وجداول البيانات.
من روبوتات الدردشة إلى تحليل البيانات
وما يزال الاستخدام الأكثر انتشارا للذكاء الاصطناعي يتركز في المهام اليومية، مثل البحث عن المعلومات وتلخيصها، وصياغة النصوص وتحريرها، والترجمة، والتفاعل مع العملاء وروبوتات الدردشة، وتحليل البيانات والبرمجة.
وتشير بيانات التقرير إلى أن استخدام روبوتات الدردشة يصل إلى نحو 20 % من الشركات الصغيرة في مجموعة الاقتصادات النامية المشمولة بالمسح (الأردن، والهند، والمكسيك، وتايلاند، وكينيا، ونيجيريا)، مقارنة بنحو 25 % في الولايات المتحدة.
أما الاستخدامات الأكثر تعقيدا، مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي وأتمتة تدفقات العمل بصورة كاملة، فما تزال محدودة في الاقتصادات النامية، ما يعكس فجوة بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة وبين دمجها بصورة عميقة في العمليات الإنتاجية.
المعرفة والتكلفة أبرز العقبات
ويحدد التقرير مجموعة من العوامل التي تعيق الشركات في الأردن ومجموعة الدول النامية عن تبني الذكاء الاصطناعي أو توسيع استخدامه، يأتي في مقدمتها نقص المعرفة والوعي بالحلول المتاحة وارتفاع التكلفة.
وبالنسبة إلى الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي وتسعى إلى توسيع نطاق استخدامه، تمثل الكلفة المرتفعة العائق الأبرز، تليها محدودية المعرفة بالحلول، ثم مخاوف الخصوصية والأمن، ونقص العمالة المؤهلة.
وتعني هذه المعطيات أن رفع استفادة الاقتصاد الأردني من الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بتوفير التكنولوجيا، وإنما بقدرة الشركات على امتلاك المهارات والمعرفة اللازمة لتحويلها إلى أدوات إنتاجية.
سوق العمل أمام تحول
في طبيعة الطلب
في المقابل، يحذر التقرير، الذي ترجمته "الغد"، من أن الميزة التي يوفرها الاقتصاد القائم على الخدمات يمكن أن تترافق مع تحديات في سوق العمل، خصوصا بالنسبة إلى الوظائف التي تعتمد على المهام المعرفية والمكتبية القابلة للأتمتة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الأردن، الذي تتركز البطالة فيه بدرجة كبيرة بين الشباب المتعلمين والداخلين الجدد إلى سوق العمل، في ظل محدودية فرص العمل في القطاع الخاص الرسمي.
ويشار إلى أن معدل البطالة في المملكة بلغ خلال الربع الأول من العام الحالي 21.1 %، بانخفاض مقداره 0.2 نقطة مئوية عن الربع الأول من عام 2025، إذ بلغ حينها 21.3 %.
ويعني ذلك أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي قد لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الوظائف بصورة مباشرة، لكنه يمكن أن يغير طبيعة المهام المطلوبة داخل الوظيفة، ويرفع الطلب على العاملين القادرين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتعامل معها.
فجوة بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي
وتكشف بيانات التقرير عن أن امتلاك الشركات للأدوات الرقمية الأساسية لا يعني بالضرورة جاهزيتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة متقدمة.
فالكثير من الشركات في الاقتصادات النامية (الأردن، والهند، وكينيا، ونيجيريا، والمكسيك) تستخدم بالفعل المواقع الإلكترونية وتطبيقات التواصل والبرمجيات الإدارية، لكن الانتقال من هذه المرحلة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في الإنتاج واتخاذ القرار وأتمتة العمليات يتطلب استثمارات إضافية في التكنولوجيا والمهارات والمعرفة.
وبالنسبة إلى الأردن، وفقا للتقرير، فإن هذه الفجوة تمثل في الوقت نفسه تحديا وفرصة؛ فكلما تمكنت الشركات من تسريع الانتقال إلى الاستخدام المنتج للذكاء الاصطناعي، زادت قدرتها على الاستفادة من موقع المملكة في سوق الخدمات الإقليمية.
الأردن أمام اختبار التحول
وتضع بيانات تقرير التنمية العالمي 2026 الأردن أمام فرصة لإعادة توظيف موقعه في قطاع الخدمات ضمن الاقتصاد الجديد، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية، وتطوير صادرات الخدمات، وخلق أنشطة اقتصادية جديدة.
لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب، وفق الاتجاه العام الذي يطرحه التقرير، الاستثمار في المهارات والبنية التحتية الرقمية والمعرفة لدى الشركات، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من الوصول إلى حلول الذكاء الاصطناعي وتكييفها مع احتياجات السوق المحلية.
ويشدد التقرير على أن استفادة الدول النامية من لحظة التحول الرقمية الكبرى لا تعتمد على مدى سرعة تبني الشركات للذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما على مدى قدرة تلك الدول على تحويل هذه التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى محرك للإنتاجية وصادرات الخدمات وفرص العمل الجديدة، قبل أن تتسع الفجوة بين المهارات التي يمتلكها الداخلون إلى سوق العمل والمهارات التي سيطلبها الاقتصاد الجديد.



