خبرني - يعتقد العلماء أن الكون بدأ قبل نحو 13.8 مليار سنة عبر حدث نعرفه باسم "الانفجار العظيم"، لم يكن انفجارا وقع في مكان موجود مسبقا، بل كان بداية تمدد الزمكان نفسه. أي إن المكان لم يكن مسرحا وقع عليه الانفجار، وإنما بدأ الكون كله بالاتساع من حالة شديدة الحرارة والكثافة، ومع هذا التمدد ظهرت المسافات بين الأجرام وتطورت بنية الكون.
وبحسب فهمنا الحالي، فإن الزمان والمكان كما نعرفهما مرتبطان بتاريخ الكون نفسه، ولذلك يصعب علميا الحديث عن "مكان" وقع فيه الانفجار العظيم أو عن "زمن" كان موجودا قبله بالمعنى المعتاد.
استمر الكون في التوسع بعد الانفجار العظيم، ولكن قبل نحو عقدين من الزمن اكتشف العلماء أن الكون يتوسع بشكل متسارع. وقد أطلق العلماء اسم الطاقة المظلمة على ذلك السبب المجهول الذي يبدو أنه يدفع تمدد الكون إلى التسارع. لا نعرف حتى الآن ماهية الطاقة المظلمة على وجه الدقة؛ فقد تكون خاصية كامنة في الفراغ نفسه، أو نتيجة لفيزياء لم نفهمها بعد.
أما نموذج "لامدا–سي دي إم" (ΛCDM) فهو النموذج القياسي لعلم الكونيات، ويجمع كل ما سبق من أفكار وزيادة، ويمثل هذا النموذج أفضل إطار يستخدمه العلماء حاليا لوصف تطور الكون.
يشير الرمز لامدا (Λ) إلى الطاقة المظلمة التي تفسر تسارع تمدد الكون، بينما تشير "سي دي إم" (CDM) إلى "المادة المظلمة الباردة"، وهي مادة لا نراها مباشرة لكنها تؤثر بالجاذبية وتساعد على تكوين المجرات والعناقيد. وبإضافة المادة العادية والإشعاع، يستطيع هذا النموذج تفسير قدر كبير من تاريخ الكون، من مراحله المبكرة جدا إلى بنيته الحالية.
ورغم نجاح هذا النموذج في تفسير تاريخ الكون وبنيته، فإنه قد لا يكون الصورة النهائية. فالنموذج يفترض أن الطاقة المظلمة هي ثابت كوني، أي أن كثافتها تظل ثابتة مع الزمن، ولكن منذ عام مضى، نجح أقوى تلسكوب لدينا في رسم أدق خريطة للكون حتى الآن، وبينما يشق سبيله نحو هذه المهمة، إذ به يصطدم بمفاجأة لم تكن في الحسبان. فالطاقة المظلمة -تلك القوة الغامضة التي تؤثر على أطراف الكون وتدفعه نحو التباعد- تبدو اليوم وكأنها تخبو وتضعف عكس توقعاتنا عنها منذ زمن باعتبارها قوة ثابتة.
يبدو أن النموذج القياسي الذي اعتبرناه ضمن أعظم انتصارات العلم، بدأ يواجه بعض التحديات، وأصبحنا أمام لحظة نادرة تجبرنا على التساؤل: هل أخطأت تلسكوباتنا الحديثة؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة كتابة قصة الكون من جديد؟ هذه المادة المترجمة من نيو ساينتست تطلعك على تفاصيل "المعركة" الجديدة التي يخوضها علماء الكونيات، ضد نظرياتهم الأكثر رسوخا.
نص الترجمة:
لو أفسحنا المجال لمخيلتنا قليلا وتصورنا قصة الكون فيلما يخضع لعمليات تحرير وتعديل لا نهائية، لكان علماء الكونيات هم صناعه المهووسون بتنقيح المشاهد باستمرار، وتُعد النسخة التي بين أيديهم حاليا إنجازا ملحميا يبدأ بانفجار عظيم يليه انبثاق الزمكان (نسيج الزمان والمكان)، ثم انسياب الفصول الباقية من القصة بجلال ومهابة لتتشكل النجوم والمجرات تحت وطأة جاذبية المادة المرئية والمادة المظلمة الغامضة، فيما يمضي الوجود كله متوسعا في هدوء وسكينة، تحركه قوة غامضة تُعرف بالطاقة المظلمة.
غير أن هذا السيناريو لا يمكن أن يكون النسخة النهائية من قصة الكون. فكلما حاولنا سبر أغوار الفضاء، بدت لنا القصة مجتزأة وحافلة بثغرات وتناقضات مؤرقة، كما أن مساراتها الرئيسية يشوبها من الغموض ما يبعث على الحيرة. ولعقود، واصل علماء الكونيات سعيهم متلمسين طريقهم نحو تعديل هذا السيناريو.
واليوم، يمنحهم الكون أخيرا إلهاما جديدا، فقد رسم تلسكوب عملاق معالم ملايين المجرات السحيقة، متتبعا حركة تمدد الكون بدقة استثنائية غير مسبوقة. ومن خلال هذه النتائج، يبدو أن الطاقة المظلمة تتبنى سلوكا شديد الغرابة قادرا على نسف الصورة التي توهمنا أننا نعرفها عن الكون.
إن صحّت هذه الفرضية، فسنكون أمام تحول مثير يتأهب له المنظرون لإعادة صياغة قصة الطاقة المظلمة من فصولها الأولى. صحيح أن مآلات هذه الرحلة لم تتضح معالمها بعد، لكن فكرة أننا على وشك ابتكار قصة كونية أشد ثراء وأحفل بالتفاصيل تؤنس الكثيرين، إذ تُعتبر في النهاية قصة مختلفة تماما عن كل ما عهدناه.
عن ذلك يقول آدم ريس، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة جونز هوبكنز بولاية ماريلاند والحائز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011 لمساهمته في اكتشاف الطاقة المظلمة: "إننا حاليا في خضم لحظة مثيرة وبليغة الأثر، فلو كان أحدهم يصور فيلما وثائقيا يروي قصة اكتشافنا للكون ومراحله، لحذرتُ المشاهدين من التحرك إلى أي مكان ولو لثانية واحدة".
الصورة الحالية
لا يمكن اعتبار صورتنا الحالية عن الكون وليدة المصادفة أو صنيعة يوم وليلة، بل هي نتاج مجهودات استمرت لقرن كامل من الزمن. فقد بدأت منذ عام 1915 مع كتابة ألبرت أينشتاين لنظرية النسبية العامة، تلك التي تصف الجاذبية بأنها النتيجة الحتمية للتشوه الذي تسببه الكتل العملاقة في نسيج الزمكان. حينذاك، ساد اعتقاد بأن الكون ثابت لا يتحرك. وعليه أقحم أينشتاين حدا رياضيا في معادلاته يضمن هذا الثبات مطلقا عليه اسم "الثابت الكوني" (هو طاقة ثابتة مرتبطة بالفراغ نفسه، استخدم لتأكيد أن الكون ثابت لا يتمدد، ويستخدم حاليا في نموذج لامبدا–سي دي إم لتفسير تسارع تمدد الكون)*.
غير أن ذلك كله تغير مع قدوم عام 1929 حينما رصد عالم الفلك إدوين هابل مجرات سحيقة تهرول متباعدة عن بعضها في إشارة إلى أن الكون يتمدد، وهو ما أجبر أينشتاين على التخلي عن مفهوم الثابت الكوني. في غضون ذلك، أعلنت نظرية الانفجار العظيم عن نفسها واستغرق الأمر عقودا لترسخ مكانتها.
فعلى الرغم من كونها تبدو اليوم حقيقة ثابتة لا سبيل للشك فيها، فإن الأوساط العلمية لم تتخذها كنظرية يمكن التعويل عليها، ولم تستطع منافسة نظرية الحالة الثابتة للكون إلا في الستينيات، حين رصد علماء الفلك بحرا من الإشعاع البدائي المتبقي من الانفجار العظيم المعروف باسم إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (CMB)، الذي أتى بخصائص تؤكد بدقة ما قدمته التنبؤات النظرية (إشعاع الخلفية الكونية هو أقدم ضوء يمكننا رصده في الكون، انطلق بعد الانفجار العظيم بنحو 380 ألف سنة، وما يزال يملأ الفضاء حتى اليوم)*.
مع تطور قدرتنا على استكشاف أعماق الفضاء، لم تعد نظرية الانفجار العظيم كافية لتفسير كل ما استعصى على فهمنا. ففي ثمانينيات القرن الماضي، توصل علماء الفلك إلى أن جاذبية المادة المرئية غير كافية لتماسك المجرات أو تفسير تكوين عناقيدها العملاقة. وكان الحل هو الاستعانة بالمادة المظلمة الخفية لسد هذه الفجوة. وبعد عقد من الزمن، كشفت عمليات رصد النجوم المتفجرة البعيدة بقيادة ريس ورفاقه، أن تمدد الكون يتسارع. وبناء عليه، تلمس الثابت الكوني طريقه إلى الساحة مرة أخرى ولكن بلقب جديد وهو الطاقة المظلمة، ليعبر عن القوة التي تدفع الكون للتمدد بدلا من أن تحافظ على ثباته.
ما نتحدث عنه الآن شكل أساس النظرية الكونية المعتمدة اليوم في علم الكونيات والمعروفة بـ "لامدا-سي دي إم"؛ حيث يرمز حرف (لامدا) إلى الطاقة المظلمة، بينما يرمز "سي دي إم" إلى المادة المظلمة الباردة ذات الجسيمات الثقيلة والبطيئة. وعند دمج هذا النموذج مع قوانين النسبية العامة وفرضية أن الكون متناسق من كل اتجاه، تتضح الصورة الكاملة: في لحظات الكون الأولى حدث "تضخم كوني" خاطف وضخم جدا، حوّل تموجات ذرية متناهية الصغر إلى بذور عملاقة تشكلت منها لاحقا النجوم والمجرات.
واليوم، يندرج نموذج "لامدا-سي دي إم" ضمن أعظم الانتصارات التي حققها العلم في تاريخه، فهو يجمع بين براعة الاختزال والشمولية المدهشة عبر ستة متغيرات فحسب لوصف تاريخ الكون بأكمله، مقدما بذلك مجموعة من التنبؤات الدقيقة التي أكدت صحتها مجموعة متزايدة من عمليات الرصد التي تزداد دقة وإحكاما يوما بعد يوم.
تعليقا على ذلك، يقول مايك تيرنر، عالم الكونيات بجامعة شيكاغو بولاية إلينوي: "لقد حقق هذا النموذج نجاحا مدهشا. وعندما أقارنه بما كنا نمتلكه في بداية مسيرتي المهنية في علم الكونيات عام 1980، تتكاثف في أعماقي مشاعر بالذهول التام. يبدو أن ما توصلنا إليه يتجاوز أشد خيالاتنا جموحا، إنه إنجاز قادر على إثارة الدهشة في النفوس بجميع المقاييس".
ومع ذلك، وكما يعبر تيرنر: "بات هذا النجاح اليوم أقل بكثير من معقد آمالنا أو ما يمكن التسليم به". ويعود ذلك جزئيا إلى طبيعة العلم المضطربة، فحتى أكثر النظريات نجاحا ليست سوى مقاربات أولية لفهم أعمق. وبينما نختبر هذه النظريات عبر أرصاد جديدة، تبدأ بعض الثغرات ونقاط الضعف في الظهور على السطح.
فمثلا، سنجد في حالة نموذج "لامدا-سي دي إم" أن هذه الثغرات والمسائل العالقة واضحة للغاية، إذ لم تكن المادة المظلمة والطاقة المظلمة سوى عناصر مجردة جرى الاستشهاد بها استجابة لعمليات الرصد والمراقبة دون وجود تفسيرات فيزيائية لماهيتها.
زوائد مقحمة
ورغم الجهود المضنية المبذولة منذ عقود، لم يتمكن الفيزيائيون حتى الآن من رصد جسيمات المادة المظلمة مباشرة. صحيح أن الطاقة المظلمة ظل يُنظر إليها على أنها طاقة ناجمة عن تقلبات كمومية في الفضاء الفارغ، إلا أنها شكلت طوال الوقت معضلة من المنظور النظري، فقد تنبأت نظرية الكم بأن شدة هذه الطاقة أكبر بنحو 10 أس 120 مرة مما هو مطلوب لدفع توسع الكون بالشكل الذي يظهر أمام أعيننا الآن. وهو فارق هائل يعكس الفجوة بين حسابات النظرية والكون الذي نراه فعلا.
ومن جانبه، يعلّق تيرنر بقوله: "إن المادة المظلمة والطاقة المظلمة لا تتعديان كونهما زوائد مقحَمة. صحيح أن كلتيهما تؤديان وظائف معينة، وتوجد أدلة تجريبية قوية على وجودهما، لكنهما في الوقت ذاته مجرد توصيفات قائمة على المعاينة الخارجية، بما يؤكد أنهما مجرد مقدمات لشيء أكثر جوهرية".
وهنا بدأت الثغرات تظهر على السطح من جديد، وأبرزها أزمة شهيرة عُرفت عام 2015 باسم "توتر هابل". تكمن المشكلة باختصار في وجود طريقتين مختلفتين لقياس معدل تمدد الكون المعروف بثابت هابل، لكنهما تعطيان نتيجتين متناقضتين. تتمثل الطريقة الأولى في النظر إلى الماضي، إلى أقدم ضوء في الكون وهو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي. فعندما يقيس العلماء سرعة التمدد بناء على معطيات الكون في بداياته الأولى مستخدمين نموذجهم الحالي، يتضح أن الكون يتمدد بمقدار 67 كيلومترا في الثانية لكل ميغابارسيك (وهي وحدة لقياس الأبعاد الشاسعة بين المجرات).
تتمثل الطريقة الثانية في رصد حركة المستعرات العظمى والنجوم المتغيرة الحالية. تبدأ المشكلة في الظهور بمجرد أن تبزغ نتيجة مختلفة لمعدل تمدد الكون وهو 73 كيلومترا في الثانية لكل ميغابارسيك. وتعليقا على هذه الفجوة بين القيمتين، يقول ريس: "إنه اختبار للكون من مهده إلى حاضره". ويرى أن عدم التقاء هذين الطرفين (الماضي والحاضر) عند رقم واحد، هو إشارة قوية إلى أن فهمنا للكون لا يزال مستغلقا علينا، وثمة خلل جسيم في نموذج "لامدا-سي دي إم".
ومع ذلك، لا يزال معظم علماء الكونيات متمسكين بهذا النموذج الذي ربضوا في كنفه وقتا طويلا ويرفضون تركه. ويرى ريس أن السبب الحقيقي وراء تحفظ المجتمع العلمي أو عزوفه عن تجاوز نموذج "لامدا-سي دي إم" هو نفور العلماء من التخلي عن أي نظرية يمتلكونها -خاصة إذا حققت نجاحا مبهرا إلى هذا الحد- دون أن يجدوا بديلا أفضل. ويبدو ذلك منطقيا بعض الشيء، فالناس في العموم لا يخامرهم شعور بالارتياح لفكرة التيه في غياهب المجهول.
ما فعلته "ديسي"
وبالاستناد إلى هذا المنطق، فإن كل ما نحتاج إليه فعلا هو أرصاد جديدة تمهد لنا الطريق لنتائج أفضل. والذي يؤجج الحماس حاليا هو أن جيلا جديدا من التلسكوبات المصممة خصيصا لرصد الطاقة المظلمة قد بدأ يحقق نتائج مذهلة بالفعل، وأولهم أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة "ديسي" (DESI).
يستقر جهاز ديسي فوق قمة تلسكوب في ولاية أريزونا، مازجا بين مرآة ضخمة وخمسة آلاف من الألياف الضوئية الخاضعة للتحكم الآلي، موجهة بدقة شديدة تجاه المجرات البعيدة لرصدها واحدة تلو الأخرى في تتابع خاطف وسريع، وبمعدل يتجاوز بكثير كل المسوحات السابقة المتعلقة بالطاقة المظلمة.
يعمل هذا المرصد منذ عام 2021 على مسح ملايين المجرات لقياس انزياحها نحو الأحمر. عندما يسافر الضوء من المجرات البعيدة عبر الفضاء، يتمدد نسيج الزمكان، مما يؤدي إلى استطالة الطول الموجي للضوء وانزياحه نحو الطرف الأحمر من الطيف الكهرومغناطيسي. وهكذا كلما كانت المجرة أبعد، استغرق ضوؤها وقتا أطول للوصول إلينا. لذلك، يُعد الانزياح نحو الأحمر مقياسا مزدوجا: يحدد المسافة التي تفصلنا عن المجرة، واللحظة الزمنية الماضية التي انطلق منها الضوء.
ولأن المجرات تقع عند انزياحات مختلفة نحو الأحمر (أي عند مسافات متباينة)*، يمكننا قياس المسافات التي تفصل بين تجمعات المجرات أو مقارنة النمط الهندسي الذي تنتظم به، ومن خلال تتبع هذا النمط، يمكننا حساب تغير معدل تمدد الكون عبر الزمن.
ولقياس هذه المسافات بدقة، يعمل مشروع ديسي أيضا على قياس أثر خفي متبقٍ من الكون في مراحله المبكرة، يُعرف باسم الذبذبات الصوتية الباريونية (BAOs). وكالأمواج المتجمدة على سطح بحيرة، تحافظ هذه التذبذبات على نمط ثابت للمسافة بين المجرات، وهو ما يوفر لعلماء الكونيات "معيارا قياسيا" لتحديد مقدار تمدد الكون.
تمحورت فكرة هذا المشروع حول تقديم خريطة ثلاثية الأبعاد أدق وأشمل لتمدد الكون. غير أن النسخة الأحدث من هذه الخريطة، والتي صدرت في مارس/آذار 2025 معتمدة على بيانات جُمعت خلال ثلاث سنوات، وشملت 15 مليون مجرة، فجرت اكتشافا صادما في علم الكونيات.
عندما دمج باحثو مشروع ديسي هذه البيانات مع أحدث البيانات المستمدة من المستعرات العظمى، ثم تحققوا من مدى توافق هذا المزيج مع النموذج التقليدي الحالي "لامدا-سي دي إم"، كانت المفاجأة أن النموذج الحالي عجز عن الانسجام مع تلك المعطيات. إذ يبدو أن الطاقة المظلمة تضعف، ولا تعتبر ثابتا كونيا كما اعتقدنا سابقا.
يبدو أن جميع هذه المفاجآت لم تكن كافية، فقد أشارت نتائج ديسي إلى أن الطاقة المظلمة مضت توغل في الغرابة أكثر أثناء الكون المبكر، إذ اتضح أنها انخفضت تحت ما يسمى الفاصل الوهمي أو الحاجز الشبحي، وهو الحد الذي لو تخطته الطاقة المظلمة هبوطا، لأصبحت قوتها التنافرية (التي تجعل الأجسام تتباعد عن بعضها)* أقوى بكثير مما يسمح به الثابت الكوني، وذلك قبل أن تعاود صعودها من جديد.
في حين يعلّق إريك ليندر، عالم الفيزياء والكونيات من جامعة كاليفورنيا في بيركلي بقوله: "أحب أن أسمي ما نراه الآن مع نتائج ديسي "الغرابة الآسرة". فالأمر لم يعد مقتصرا على أن هذه النتائج قد ابتعدت عن فكرة الثابت الكوني فحسب، بل أسفرت عن أشياء لم تطرأ على بال أحد قط.
لكن لا يجب أن نغفل عن أن نتائج جهاز ديسي لا تملك في هذه المرحلة من القوة ما يكفي للتعويل عليها. فالتحليلات الحالية لا ترجّح فرضية الطاقة المظلمة المتطورة إلا بمعيار إحصائي لا يتجاوز 4.2 سيجما في أفضل أحواله، وهو ما يعتبر أقل بكثير من المعيار الذهبي المحدد بـ 5 سيجما (يعني 5 سيجما أن احتمالية الصدفة في الكشف العلمي هي 1: 3.5 مليون)*.
وأمام هذا النقص، قد يذهب الاكتشاف بأكمله أدراج الرياح بمجرد ظهور بيانات جديدة في المستقبل، كما أن المؤشرات التي تحدثت عن اختراق الفاصل الوهمي تُعد أقل ثباتا ويصعب الوثوق التام بها. في هذا السياق، نشر جورج إفستاثيو، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة كامبريدج، ورقة بحثية في مايو/أيار 2025 جادل فيها بأن الأدلة التي تشير إلى تطور الطاقة المظلمة هي أدلة مذبذبة ومحاطة بالشكوك لسببين.
أولهما، أن هذا التناقض مع النموذج التقليدي "لامدا-سي دي إم" لا يظهر للعيان إلا عند إدراج بيانات المستعرات العظمى في التحليل الكلي. وثانيهما أن التحليل الإحصائي لفريق ديسي يستند إلى افتراضات مسبقة حول مدى معقولية النماذج الكونية المختلفة، والمعروفة بـ"الافتراضات المسبقة"، والتي يرى إفستاثيو أنها كانت تميل بصورة غير عادلة إلى نماذج تطور الطاقة المظلمة.
إلا أن ثمة إجماعا على أن نتائج دراسة ديسي إذا تعززت بمزيد من البيانات، ستكون قادرة على توجيه ضربة قاصمة لنموذج "لامدا-سي دي إم". ففي ورقة بحثية نُشرت في أغسطس/آب 2025، جادل ريس وعالم الكونيات الرصدية أليكسي ليوثود من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، بأننا ربما سنشهد احتضار نموذج "لامدا-سي دي إم"، وأن علينا الآن الاستعداد نفسيا لتخطيه. وما قد يستثير الانتباه حقا هو قدرتنا ولأول مرة منذ 25 عاما على امتلاك دليل ملموس عن ماهية النموذج الأفضل لتفسير الكون.
الاستعداد لكل الاحتمالات
لكن هذا لا يعني أن حل ذلك اللغز الكوني أمر يسير على الإطلاق. فعلى الرغم من أن نتائج جهاز ديسي منحتنا توجيها واضحا فيما يتعلق بالخصائص الفيزيائية للطاقة المظلمة، إلا أن صورة التوسع الكوني التي قدمتها هذه النتائج زادت من صعوبة إيجاد الصيغة الصحيحة لتفسيرها.
يتمثل الحل الأبسط لتفسير تغير الطاقة المظلمة عبر الزمن في الاعتراف بأن تلك الطاقة مجال ديناميكي يشبه الضوء. غير أن هذا الافتراض يتطلب تفسير سبب نمو الطاقة المظلمة واشتداد قوتها في المليارات القليلة الماضية من عمر الكون تحديدا، وليس في أي زمن آخر كالسنين الأولى من عمره على سبيل المثال. والأهم من ذلك كله أن هذه الحقول وحدها غير قادرة على تفسير مسألة اختراق الفاصل الوهمي أو الحد الشبحي الذي ذكرناه سابقا.
وفي مواجهة جميع هذه الاضطرابات، يفضّل العديد من المنظرين أن يصبوا جل تركيزهم على نماذج لا تعمل فيها الطاقة بصورة مستقلة أو بمنأى عن الجاذبية، بل تتفاعل معها. وتقوم الفكرة على فرضية أن الجاذبية تتبنى نهجا مختلفا وتُظهر سلوكا مغايرا عند نقطة معينة نتيجة لانتقال الطاقة بين المادة العادية والطاقة المظلمة.
وتأكيدا على ذلك، تقول أليساندرا سيلفستري، عالمة الفيزياء النظرية بجامعة لايدن بهولندا، والتي أثبتت أن هذا النموذج يتوافق مع بيانات ديسي بصورة أفضل بكثير من نموذج "لامدا-سي دي إم": "من خلال هذه الآلية يمكننا استيعاب كيف يمكن لكثافة الطاقة المظلمة أن تزداد ثم تخفت من جديد إلى أن تضمحل. يبدو في الحقيقة أن هذا النموذج هو الوحيد الملائم للعمل في ظل هذا الاضطراب في المفاهيم الكونية".
أما على الجانب الآخر، فتظهر نماذج تفترض حدوث تبادل للطاقة بين الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، بطريقة تسمح للمادة المظلمة بالتحلل ببطء والتحول إلى طاقة مظلمة بالتزامن مع توسع الكون. ومن الناحية النظرية، تكتسي هذه الفكرة قدرا كبيرا من الجاذبية لقدرتها على تكوين آصرة بين أكبر مجهولين في علم الكونيات الحديث.
لكن مشكلة نماذج التفاعل هذه هي أنه من المفترض العثور على أدلة تشير إلى وجودها في أرصادنا الحالية للمدارات الكوكبية، غير أننا لم ننجح في ذلك إلى الآن. وحتى لو كانت هذه التفاعلات شديدة الضآلة لدرجة تملصها من أجهزة الرصد، فإن هروبها هذا لا يعني أننا وجدنا حلا لمشكلتها، فبمجرد حدوثها رياضيا داخل المعادلات مهما كانت ضئيلة، ستظل منتهكة لقانون حفظ الطاقة والزخم (وهما مبدآن أساسيان في الفيزياء يستخدمان معا لتحليل وتفسير حركة الأجسام والتفاعلات بينها)*.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام تدفق من التصورات والنظريات الكونية دون أن تنجح أي منها في فك شفرة هذا اللغز. ويختزل فيريرا المشهد بقوله: "في حقيقة الأمر، كل ما يحدث حاليا هو شيء عصي على إدراكنا وتصوراتنا، إذ لا نملك أي فكرة عما يحدث حقا".
يرى كل من فيريرا وريس أن هذا الوضع يفرض علينا التوقف عن محاولات إقحام تعديلات على مفهوم الطاقة المظلمة لتتوافق مع ما جادت به الأبحاث من بيانات جديدة. وإذا كنا بصدد مواجهة طفرة معرفية كبرى في فهمنا للكون، فيتعين على علماء الكونيات التفكير مليا بشأن الطريقة التي سنتبناها للتعامل مع هذا التحول، إذ لا يجب أن يقتصر الأمر على التشكيك في المسلمات القديمة فحسب.
ربما يتمخض المستقبل عن نظرية يغلب عليها طابع البساطة والأناقة وتشبه ما بحوزتنا اليوم. أو لعل التفسير الأفضل يقع في نظريات أشد تعقيدا تجمع بين حقول متباينة من الطاقة المظلمة، وأنواع متعددة من المادة المظلمة، بالإضافة إلى تفاعلات خفية بينهما. أو ربما من خلال صياغة رؤية مختلفة وجديدة للجاذبية.
وقد يكمن الحل في نماذج كونية بديلة على غرار الكون الدوري، أو نظرية الأوتار، أو ربما حتى في نمط غريب من الثقوب السوداء. وكما جرت العادة، ستظل الملاحظات العلمية وبيانات الرصد هي مرشدنا، بينما لا يزال مشروع ديسي مستمرا في جمع البيانات التي من المفترض استلام دفعة جديدة منها بحلول عام 2027.
على الجانب الآخر، يتطلع علماء الكونيات إلى بيانات تلسكوب إقليدس التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، ومرصد فيرا روبين في تشيلي، اللذين شرعا بالفعل في إرسال بياناتهما الأولية العام الماضي. قد تتمكن هذه البيانات المنتظرة، من أن تؤكد لنا ما إذا كان معدل تمدد الكون يتغير بالفعل، أم أن الأمر ليس كذلك.
يكمن الخطر في عودتنا إلى نقطة الصفر من جديد ومواجهة مشكلة توتر هابل. في هذه الحالة، سنواجه طريقا مسدودا يرفض فيه العديد من علماء الكونيات التخلي عن نموذج "لامدا-سي دي إم" لأنهم لا يثقون بالبيانات التي يمكنها دحضه في غياب نظرية بديلة أفضل، مع تقلص احتمالية التوصل إلى تلك النظرية في أي وقت قريب.
مشكلة العلم
ومع ذلك، يرى ريس أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في البيانات التي ننتظرها، بل فيما يتبناه المجتمع العلمي نفسه تجاهها. وبدلا من الاعتراف بوجود خلل في النموذج القياسي كلما ظهر تعارض في النتائج داخله، يرى ريس أن العلماء يفترضون على الفور أن الخطأ قادم من الأرصاد الجديدة. وهو ما يفسر سبب تحول المزيد من القياسات إلى مصدر للمزيد من الشكوك بدلا من أن تكون مصدرا لليقين.
ويؤكد ريس على ذلك بقوله: "عندما يعمل المرء تحت ظل نموذج معياري لمدة عشرين عاما، ويجد نفسه قد أمضى معظم حياته المهنية وهو معتمد عليه، تصبح مجرد فكرة أن هذا النموذج قد لا يمثل الصورة الكاملة لحقيقة الكون، مربكة ومحيرة".
من المهم أن ندرك جيدا أن المفاهيم لا تتحقق أو تبلغ أهدافها المنشودة إلا عبر خوض غمار معارك وصراعات، كما أن النموذج التقليدي لن تتفكك أوصاله بسهولة أو يترصده الفناء دون إبداء أي مقاومة.
الواقع أن استعداد علماء الكونيات للخوض في هذه الجدالات يعتبر مؤشرا على وقوفنا على أعتاب ثورة جديدة في علم الكونيات، بعد فترة طويلة من السكون والتناغم. ويختتم ليندر الحديث قائلا: "إننا نتطلع بشوق إلى ما ستجلبه معها هذه البيانات الجديدة. يبدو أننا نعيش في خضم فترة زمنية مفعمة بالإثارة والحماس".



