خبرني - بدأ الابن شين يومنغ، الذي كان يعمل في التصميم والديكور وتعلم تقنيات التحريك بنفسه صناعة فيلم كما يُعد طاهيان مبتدئان وصفة طموحة بأدوات محدودة؛ ، بمعية والدته سون لي فانغ، التي شاركت في الكتابة والأداء الصوتي وأداء أغنية النهاية. وعلى مدى 5 أعوام، محاولين بإمكانات عائلية إنجاز فيلم رسوم متحركة طويل من دون فريق متخصص أو تجهيزات استوديو كبير.
وقد خرجت محاولتهما في صورة فيلم "نيو لاي" (Niu Lai) برسوم بدائية وحركات متصلبة وحكاية أربكت مشاهديه، وعندما عُرض في 5 أغسطس/آب الجاري، وقد بدت النتيجة مخيبة لهذا الجهد، إذ هبطت إيراداته في بعض الأيام إلى نحو 30 دولارا، قبل أن تفعل المراجعات الساخرة ما عجزت عنه أي حملة دعائية.
وكان الابن يعمل أصلا في التصميم والديكور الداخلي والخارجي، ولم تكن له مسيرة معروفة في الإخراج أو التحريك. وبدأ عام 2021 تعلّم صناعة الرسوم المتحركة بنفسه، قبل أن يحول شركة صغيرة كانت تعمل في الديكور إلى شركة للإنتاج الثقافي والسينمائي. وقدم هذا الشاب الصيني الثلاثيني فيلم "نيو لاي" بوصفه أول عمل معروف له يصل إلى دور العرض.
وتولى شين الإخراج والإنتاج والمونتاج والأداء الصوتي والنمذجة ومهام فنية أخرى، بينما شاركت الأم في كتابة الفيلم والأداء الصوتي وأداء أغنية النهاية، ليخرجا بعد سنوات بفيلم مدته 86 دقيقة عن عجل صغير وبقرة يدخلان عالما من الأحلام، تتشكل داخله حكاية عن الحب والشجاعة والنضج والتضحية.
وحين قُدمت هذه "الوجبة" إلى الجمهور في 5 أغسطس/آب الجاري، بدت غير قابلة للبيع، فلم تتجاوز إيرادات الفيلم في بعض الأيام 200 يوان (نحو 30 دولارا) وجمع قرابة 10 آلاف (نحو 1480 دولارا) خلال أيامه العشرة الأولى.
رمية بغير رام
لكن المراجعات التي كان يفترض أن تقضي عليه أنقذته. وانتشرت عبر المنصات الرقمية تعليقات تسخر من رسومه البدائية وحركات شخصياته المتصلبة وحكايته المربكة، فتدفق الجمهور إلى القاعات مدفوعا برغبة في التأكد من مقدار رداءة العمل الذي يتحدث عنه الجميع. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن إيرادات "نيو لاي" قفزت أمس الاثنين إلى 8.2 ملايين يوان (نحو 1.2 مليون دولار) بعد بيع قرابة 300 ألف تذكرة في يوم واحد، وفق منصة "ماويان" الصينية لتتبع شباك التذاكر.
وارتفعت حصيلته الإجمالية إلى 17.1 مليون يوان (نحو 2.5 مليون دولار). وهكذا تحول مشروع عائلي كان مهددا بالاختفاء إلى واحدة من أغرب مفاجآت السينما الصينية. ولم تصنع نجاحه إشادة نقدية أو دعاية ضخمة، بل جمهور اكتشف أن السخرية من الفيلم قد تكون أكثر متعة من الفيلم نفسه.
ويفتح نجاح "نيو لاي" الباب أمام ظاهرة سينمائية أوسع تحظى فيها بعض الأفلام بحياة تجارية جديدة لمجرد اكتسابها سمعة شديدة السوء.
رسوم بدائية تتحول إلى دعاية
يحكي "نيو لاي" قصة عجل صغير يأخذ بقرة قدمت من الصحراء إلى عالم الأحلام، حيث تتابع مراحل تحوله إلى شخصية شجاعة قادرة على مواجهة الموت. لكن الحكاية لم تكن العنصر الذي جذب معظم الجمهور. وتوجهت الأنظار إلى رسومه ثلاثية الأبعاد التي بدت أقرب إلى نماذج أولية غير مكتملة، وشخصيات وصفها مستخدمون بأنها قبيحة ومخيفة، بالإضافة إلى الحركات المتصلبة والأخطاء البصرية والحوارات التي أثارت الحيرة.
ولم تحاول دور العرض إخفاء سمعة الفيلم أو تقديمه باعتباره إنجازا تقنيا، وظهرت على بعض ملصقاته صورة عجل مرسوم بالقلم ومن دون ألوان، بالإضافة إلى عبارات مكتوبة يدوياً تدعو محبي الأشياء الغريبة إلى الحضور وتحذرهم من عدم إمكان استرداد ثمن التذكرة.
ولم يعد المشاهد يشتري تذكرة لمتابعة قصة العجل، بل للمشاركة في ظاهرة رقمية، ثم نشر رأيه أو تنفيذ مقلب في أصدقائه، لتتحول عيوب الفيلم إلى دعاية له، ويصبح قصور الإنتاج علامة تميزه عن أفلام الرسوم المصقولة التي تعرض بجواره.
فيلم أم مقلب؟
امتلأت منصة "دوبان"، وهي من أشهر منصات تقييم الأفلام في الصين، بتعليقات ساخرة ومندهشة، ووصف مستخدمون الفيلم بأنه سيئ بصورة لا تصدق، ورأى آخرون أنه أصبح رمزاً لثقافة المقالب التي تصنعها المنصات الرقمية، ومنح بعض المشاهدين العمل درجات إشادة مرتفعة وكتبوا توصيات تبدو حماسية، لكنها كانت تهدف في الحقيقة إلى إقناع مستخدمين آخرين بدفع ثمن التذكرة وخوض التجربة نفسها.
واكتسب اسم الفيلم معنى إضافيا ساعد على انتشار المزحة، فعبارة "نيو لاي" تعني حرفيا "البقرة قادمة" أو "ها قد جاءت البقرة". ولأن كلمة "نيو" قد ترتبط في الثقافة المالية الصينية بصورة الثور والسوق الصاعدة، وعلى سبيل السخرية والتفاؤل، فقد أوصى بعض المعلقين -مستثمري الأسهم- بالفيلم. ووجد بعض المشاهدين في محدودية إمكاناته قدرا من الصدق يفتقدونه في إنتاجات أكثر تكلفة.
وتكشف هذه الردود صعوبة الفصل بين الإعجاب والسخرية في استقبال مثل هذه الأفلام. فقد يدرك المشاهد ضعف الرسوم والحبكة، لكنه يستمتع بالتجربة الناتجة عنهما، أو يقدر أن شخصين أمضيا سنوات في إنجاز عمل لم يملك إمكانات الاستوديوهات الكبرى.
"الغرفة".. فشل قديم
تعيد تجربة "نيو لاي" إلى الأذهان الفيلم الأميركي "الغرفة" (The Room) الذي كتبه وأخرجه وأنتجه وقام ببطولته تومي ويزو عام 2003، وقد دارت أحداثه حول مثلث عاطفي، لكنه تعرض لانتقادات شديدة بسبب الأداء الجامد والحوارات غير الطبيعية ومشكلات المونتاج وثغرات الحكاية.
ولم يحقق خلال أول أسبوعين من عرضه سوى نحو 1900 دولار، وبدا كأنه سيختفي سريعا، لكن سمعته باعتباره واحداً من أسوأ الأفلام على الإطلاق، منحته حياة جديدة.
وبدأ الجمهور يتعامل معه لأسباب لم يقصدها صانعه بالضرورة، فتحولت المشاهدة من متابعة القصة إلى انتظار الأخطاء والجمل الغريبة والضحك عليها جماعيا. ومع انتشار عروض منتصف الليل، أخذ الجمهور يردد الحوارات ويلقي ملاعق بلاستيكية باتجاه الشاشة كلما ظهرت صور للملاعق داخل الفيلم. ثم انتقلت العروض إلى مدن ودول أخرى، وتحول الفشل التجاري الأول إلى ظاهرة استمرت أكثر من عقدين.
ولم تتوقف شهرة الفيلم عند العروض الجماهيرية، فقد أصبحت كواليس إنتاجه موضوعا لكتاب، ثم تحولت إلى عمل بعنوان "فنان الكوارث" (The Disaster Artist) عام 2017، من بطولة جيمس وديف فرانكو، وتحولت قصة صناعة الفيلم السيئ إلى عمل سينمائي آخر حظي باستقبال أفضل.
"ويني الدبدوب" يبيع الصدمة
استفاد فيلم الرعب البريطاني منخفض التكلفة "ويني الدبدوب: الدم والعسل" (Winnie-the-Pooh: Blood and Honey) عام 2023 من نوع مختلف من الانتشار القائم على الصدمة والاستهجان، إذ أعاد تقديم الشخصية الطفولية المحبوبة في صورة قاتل متوحش، بعد دخول نسختها الأصلية إلى الملكية العامة.
وكانت الفكرة وحدها كافية لإثارة موجة من التعليقات الغاضبة والساخرة قبل بدء العرض، وحصل العمل على مراجعات شديدة السلبية، ثم فاز بخمس من جوائز "راتزي" التي تسخر من أسوأ الإنجازات السينمائية، بينها أسوأ فيلم وأسوأ إخراج وأسوأ سيناريو.
لكن الاستهجان لم يمنع نجاحه التجاري، بل أسهم في جذب الجمهور إلى فكرته الغريبة، وحقق إيرادات عالمية قاربت 7.7 ملايين دولار رغم ميزانيته المحدودة، ومهد الطريق لإنتاج جزء ثان وتأسيس سلسلة رعب تعتمد على شخصيات طفولية.
وتختلف التجربة جزئياً عن "نيو لاي" لأن صناع "الدم والعسل" بنوا المشروع منذ البداية على فكرة صادمة قابلة للانتشار. أما الفيلم الصيني، فتحولت محدودية صنعه نفسها إلى ظاهرة بعد طرحه وفشله الأول.
"موربيوس" نكتة لا تبيع التذاكر
قدم "موربيوس" (Morbius)، من بطولة جاريد ليتو عام 2022، المثال الأشهر على خطأ الاستوديو في قراءة السخرية الرقمية، وتعرض الفيلم لمراجعات سلبية، ثم أصبح مادة لموجة واسعة من الصور والعبارات الساخرة، بينها جمل لم ترد أصلاً في العمل.
وبدا من كثافة تداولها أن "موربيوس" استعاد اهتماما جماهيريا بعد خروجه من دور العرض. وقد فسرت شركة سوني انتشار النكات باعتباره دليلاً على وجود طلب حقيقي، وأعادت طرح الفيلم في أكثر من ألف دار عرض أميركية، لكن إعادة الإصدار حققت نحو 85 ألف دولار فقط في يومها الأول، ولم يتمكن الفيلم من دخول قائمة الأعمال العشرة الأولى.
وكشفت التجربة أن مستخدمي الإنترنت كانوا يستمتعون بصناعة النكات أكثر من اهتمامهم بمشاهدة الفيلم. وقد ذاع صيت "موربيوس" لكن شهرته لم تعبر عن وجود جمهور مستعد للعودة إلى القاعات من أجله.
ويكمن الفارق في أن ظاهرة "نيو لاي" لم تعتمد على تداول التعليقات الساخرة فقط، بل تحولت إلى تجربة جماعية يريد المشاهد خوضها ثم تمريرها إلى أصدقائه، وقد جاءت نقطة انطلاق الفيلم من مساحة شديدة الانخفاض جعلت أثر الإقبال هائلاً، فلم يكن مطالباً باسترداد ميزانية هوليودية ضخمة أو ملء آلاف القاعات؛ وكان كافياً أن ينتقل من بضعة مشاهدين يومياً إلى جمهور شاب يحركه الفضول كي يصبح مفاجأة تجارية.
وبعد 5 أعوام قضاها شين ووالدته في إعداد فيلمهما كما يعد طاهيان مبتدئان وجبة بأدوات قليلة وخبرة محدودة، لم يُقبل الجمهور على النتيجة لأنها خرجت متقنة، بل لأنه سمع أنها نتاج جهد وتعب عائلي، وهكذا أنقذت سمعة الفيلم السيئة مشروعا كان على وشك الاختفاء، وجعلت محاولة عائلية متواضعة ظاهرة يشاهدها مئات الآلاف.



