خبرني - تعتبر صناعة الرقائق عنصراً أساسياً لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحتاج أكبر شركات التكنولوجيا في العالم إلى أعداد هائلة منها للحفاظ على ريادتها.
وتُعدّ مايكروسوفت إحدى هذه الشركات، ويبدو أنها تواجه مشكلة في توفير العدد اللازم لها من الرقائق لتحقيق تطلعاتها للريادة بهذا القطاع.
فقد كشف تحقيق أجرته صحيفة "الغارديان" عن تناقض واضح بين ما صرّحت به الشركة بشأن قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وعدد رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تستخدمها فعلياً.
نقص كبير تكشف عنه الأرقام
وهذا النقص ليس بالهين، فقد أشارت التقارير إلى أن مايكروسوفت كانت تستهدف تركيب 1.8 مليون رقاقة ذكاء اصطناعي في مراكز بياناتها حول العالم بحلول نهاية عام 2024، على أن يزيد هذا العدد بفارق كبير لما بعد 2024.
وبعد مرور عامين تقريبًا على هذا الموعد، وفي خضمّ توسعة بقيمة 280 مليار دولار (208 مليارات جنيه استرليني)، لم يتجاوز عدد رقائق الذكاء الاصطناعي المثبتة لدى الشركة 2.2 مليون رقاقة، وفقًا لوثائق داخلية اطلعت عليها صحيفة "الغارديان"، وهذا أقل من نصف العدد الذي توقعه بعض الخبراء.
وفي الوقت الذي يتطلب به سباق التسلح العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي إنشاءً ضخمًا لمراكز البيانات التي تعمل برقائق باهظة الثمن، يشير هذا التناقض الواضح بشأن الرقائق إلى أن أحدث مراكز بيانات مايكروسوفت قد لا تكون تعمل بكامل طاقتها، أو إذا كانت كذلك، فإنها لا تمتلك الرقائق التي تحتاجها.

ويُسلّط هذا الضوء على جانب أكثر جوهريةً في رصد التقدم المُحرز في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
فبينما تُصنّع شركة إنفيديا، إحدى أغلى شركتين في العالم، الرقائق التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي، إلا أن سلسلة توريدها تعد من أكثر الأسرار سريةً في هذا القطاع.
وباستثناءاتٍ نادرة، لا تُفصح إنفيديا عن عدد هذه الرقائق التي تبيعها أو لمن تبيعها، كما أن عملاءها، وهم أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، لا يكشفون بدورهم عن عدد الرقائق التي يمتلكونها.
وبدون هذه المعلومات، يصعب على أي شخص معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشهد ازدهارًا أم لا.
حجم البنية التحتية لا يتوافق مع عدد الرقائق
وخلال العامين الماضيين، قالت مايكروسوفت إنها أنشأت بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة. وقد صرّح رئيسها التنفيذي، ساتيا ناديلا، العام الماضي أنها ستضاعف حجم مراكز بياناتها العالمية بحلول منتصف عام 2027.
ومنذ عام 2022، استثمرت الشركة ما يقارب 280 مليار دولار في الأراضي والمباني والبنية التحتية الحاسوبية لتطوير الذكاء الاصطناعي. ويشمل هذا المبلغ أكثر من 41 مليار دولار في الربع الأخير.
لكن من الصعب تقدير عدد مراكز البيانات التي أنشأتها مايكروسوفت بهذه الأموال.
ويمكن تقييم التقدم الذي تحرزه الشركة من خلال النظر إلى ما أعلنته علنًا، مع التركيز بشكل خاص على احتياجاتها من الطاقة.

فمراكز البيانات تحتاج إلى الكهرباء، لذا فإن إحدى طرق تقدير عدد مراكز البيانات العاملة هي حساب إجمالي الطاقة المتاحة لمايكروسوفت -أي قدرتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتشير ادعاءات مايكروسوفت نفسها، الواردة في التقارير السنوية والأرباح الفصلية، إلى أنها أضافت 5 غيغاواط من سعة مراكز البيانات خلال العامين الماضيين كجزء من تطويرها للذكاء الاصطناعي، وتُشير الشركة إلى امتلاكها الآن مئات مراكز البيانات في خمس قارات.
وتعتبر 5 غيغاواط كمية هائلة من الطاقة، وهي تُعادل أربعة أضعاف حجم أكبر مجمع لمراكز البيانات في أوروبا.
لكن من المُفترض أن تكون سعة مايكروسوفت الإجمالية أكبر من ذلك، إذ بدأت الشركة ببناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي منذ عام 2022، ومن غير المعلوم حتى الآن مقدار حجم هذه الزيادة.
في عرض تقديمي للمستثمرين عام 2024، زعمت مايكروسوفت أنها تمتلك بالفعل 5 غيغاواط من سعة مراكز البيانات، وهذا يشير إلى أنها قد تمتلك الآن سعة إجمالية تبلغ 10 غيغاواط.
ومن غير الواضح ما إذا كانت جميع هذه المراكز مخصصة للذكاء الاصطناعي، إذ قد يكون بعضها مخصصًا لخدمات سحابية أخرى.
لكن تصريحات مايكروسوفت نفسها تشير إلى أن التركيز الأكبر لنفقاتها الرأسمالية في السنوات الأخيرة كان على بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي.
ويشير وجود 10 غيغاواط من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى أن مايكروسوفت يجب أن تمتلك حوالي 6.4 مليون وحدة من رقائق المعالجة رسومية (GPU).
وقال الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، شاولي رين، إن تقارير الاستدامة لمايكروسوفت، التي تتضمن أرقامًا عن استهلاكها للكهرباء وتُنشر بشكل منفصل عن بياناتها المالية، ترسم صورة مختلفة.
وأضاف أن هذه التقارير تشير إلى أن سعة الذكاء الاصطناعي لمايكروسوفت في عام 2024 كانت على الأرجح أقرب إلى 1.2 غيغاواط.
ولكن حتى هذا الرقم الأقل يشير إلى أن مايكروسوفت ستحتاج إلى حوالي 4 ملايين من وحدات رقائق الذكاء اصطناعي، إذا أضافت 5 غيغاواط من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العامين الماضيين.
وقال رين، "وفقًا لمعاييرهم الخاصة، قد تكون مايكروسوفت على صواب، لكن ليس من الواضح ما يقصدونه عندما يقولون إنهم أضافوا سعة لمراكز البيانات، فهم لا يقدمون سياقًا كافيًا، وتقارير الاستدامة تخضع لتدقيق جهة خارجية، ما يجعلها أكثر مصداقية من التصريحات الرسمية".
الوتيرة تبدو أبطأ
وقال محلل متخصص في شركة إنفيديا إنه كان يعتقد أن مايكروسوفت ستمتلك عددًا أكبر من الرقائق، نظرًا لتصريحاتها العلنية.
وأضاف، "أعتقد أن العدد قليل، أقل مما كنت أتوقعه من مايكروسوفت".
لذا، من الواضح أن وتيرة تطوير مايكروسوفت لقدرات الذكاء الاصطناعي تبدو أبطأ بكثير مما قد توحي به تقاريرها السنوية.
كما أن مصادر من داخل مايكروسوفت بأن إجمالي عدد رقائق الذكاء الاصطناعي لدى الشركة "لم يتغير تقريبًا" خلال العام الماضي، وفق ما جاء بتقرير "الغارديان".
وقد يُعزى جزء من هذا التباين الظاهر إلى شراكة مايكروسوفت مع OpenAI، إذ لم تُعلن تفاصيل هذه الشراكة التجارية، ولكن من المحتمل أن تكون هذه الوحدة مسؤولة عن بعض عمليات نشر مراكز البيانات التابعة لمايكروسوفت، والتي لم تُذكر في الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة "الغارديان".



