خبرني - ينص القانون الأساسي الفلسطيني على أن الشعب مصدر السلطات، وأن الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء، ويكفل لهم حق المشاركة السياسية والتصويت والترشح وتولي الوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص.
وعلى هذا الأساس يفترض أن يقف الموظف والقائد السياسي ورجل الأعمال والنقابي أمام شروط الترشح على أرض واحدة. لكن المادة الثامنة من قانون الانتخابات تفتح سؤالاً مختلفاً فهل يدفع جميع الفلسطينيين الثمن نفسه لممارسة حقهم في الترشح؟
فالمادة (8) من قرار بقانون الانتخابات العامة رقم (1) لسنة 2007، بصيغتها النافذة بعد تعديل 2021، تلزم فئات واسعة بتقديم استقالاتها وإرفاق ما يفيد قبول الاستقالة قبل الترشح للرئاسة أو المجلس التشريعي.
وتشمل الوزراء وموظفي الدولة المدنيين والأمنيين، ومن يتقاضون راتباً أو مخصصاً شهرياً من خزينة الدولة أو من الصناديق العامة التابعة لها أو الخاضعة لإشرافها، وموظفي المؤسسات العامة والهيئات الدولية، ومديري ورؤساء وموظفي المنظمات الأهلية. كما تشمل رؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية وأعضاء ورؤساء المجالس المنتخبة في المؤسسات والهيئات الأخرى.
تستقيل.. ولكنك قد لا تعود
القضية لا تتوقف عند الاستقالة. فالموظف الحكومي الذي يخسر الانتخابات لا يستعيد وظيفته تلقائياً؛ بل يستطيع التقدم مجدداً فقط إذا وجد شاغر، ويخضع للمنافسة والاختيار مثل غيره. وإذا شُغلت الوظيفة خلال فترة الانتخابات، فلا يوجد مقعد وظيفي محفوظ له.
أما القاضي وضابط الأمن أو الجيش أو الشرطة والمحافظ ومن في حكمهم، فالحكم أشد فإذا استقالوا وترشحوا ولم يفوزوا، فلا يجوز لهم العودة إلى وظائفهم السابقة.
وهكذا قد يجد موظف يعيل أسرة نفسه أمام معادلة قاسية فإما أن يمارس حقه السياسي في الترشح، أو يحتفظ بمصدر رزقه.
وقال الدكتور المحامي بسام القواسمي، مؤسس تجمع الكل الفلسطيني وأستاذ القانون في جامعة الخليل، إن المادة بصيغتها الحالية قد تحرم قطاعات واسعة من الفلسطينيين من ممارسة حق الترشح، متسائلاً: بعد هذا الحرمان، من بقي لكي يترشح للمجلس التشريعي؟
ويرى القواسمي أن اشتراط الاستقالة وقبولها يضع الموظف أمام الاختيار بين حقه السياسي ولقمة عيشه، مطالباً بمراجعة المادة بما يوسع المشاركة ولا يحول شروط الترشح إلى أداة لإقصاء فئات اجتماعية واسعة.
موظف الجمعية والهيئة الدولية.. لماذا يستقيل؟
المفارقة تصبح أكثر وضوحاً في المؤسسات الأهلية. فالقانون لا يشترط أن تكون الجمعية ممولة من خزينة الدولة، ولا أن يكون الموظف صاحب سلطة عامة. يكفي أن يكون موظفاً في منظمة أهلية حتى يصبح مطالباً بالاستقالة.
قد يكون محاسباً أو باحثاً أو موظفاً إدارياً يتلقى كامل راتبه من الاتحاد الأوروبي أو مؤسسة دولية، لكنه مع ذلك يجب أن يخسر عقد عمله أو يخاطر به قبل الترشح. ولا يلزم القانون المؤسسة الأهلية بإعادته إذا خسر.
والأمر نفسه يطال موظفي الهيئات الدولية الذين قد لا يتلقون شيكلاً واحداً من الخزينة الفلسطينية.
وقد اعترضت أكثر من 120 مؤسسة أهلية على هذه القيود منذ انتخابات 2021، لكن القرار بقانون رقم (17) لسنة 2026، رغم تعديله عدداً من أحكام الانتخابات، أبقى المادة الثامنة دون تغيير.
وهنا يصبح السؤال إذا كان الهدف منع استغلال النفوذ والمال العام، فأي نفوذ انتخابي يخشى منه القانون لدى موظف صغير في جمعية أهلية أو هيئة دولية؟
هل يصبح البرلمان أسهل لرجال الاعمال؟
المادة لا تمنع الموظف قانوناً من الترشح، لكنها قد تجعل الترشح عملياً أسهل أمام من يستطيع تحمل كلفته.
فرجل الأعمال يستطيع الاحتفاظ بشركته، وصاحب المهنة الحرة يستطيع مواصلة عمله، بينما قد يضطر الموظف إلى التخلي عن راتبه ووظيفته قبل أن يعرف إن كان سيحصل على مقعد واحد.
ولهذا لا يصبح السؤال فقط "من يحق له الترشح؟"، وإنما: من يستطيع اقتصادياً أن يتحمل الترشح؟
وقد ينتج عن ذلك بصورة غير مباشرة أفضلية لأصحاب رأس المال والدخل المستقل على حساب شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والموظفين وأصحاب الخبرات المهنية والاجتماعية.
وماذا عن النقابات؟
وتثير عبارة أخرى في المادة الثامنة سؤالاً يتعلق بالنقابات، إذ تلزم "أعضاء ورؤساء المجالس المنتخبين في المؤسسات والهيئات الأخرى بالاستقالة"، ولا تسمح لهم بالعودة إلى مواقعهم إلا إذا أعيد انتخابهم.
وهذا يفتح سؤالاً مباشراً أمام لجنة الانتخابات: هل تشمل العبارة نقيب المحامين وأعضاء مجلس النقابة، ونقيب الصحفيين والهيئات المنتخبة فيها، ومجالس نقابات العمال والأطباء والمهندسين والصيادلة وغيرها؟
إذا كان الجواب نعم، فإن ممثلاً انتخبه آلاف العمال أو المهنيين سيكون مطالباً بالتخلي عن موقعه النقابي حتى يمارس حقاً سياسياً آخر. وإذا كان الجواب لا، فعلى اللجنة أن تحدد بوضوح أي مجالس منتخبة قصدها القانون إذن.
المال العام يصل إلى الفصائل.. أين تتوقف المادة الثامنة؟
الأكثر حساسية هو المال الذي يصل إلى الفصائل. فمؤسسات منظمة التحرير مدرجة منذ سنوات ضمن مراكز الإنفاق في الموازنة الفلسطينية، وتتحول أموال من وزارة المالية إلى مؤسسات المنظمة والصندوق القومي الفلسطيني، بينما يقدم الصندوق بدوره دعماً مالياً للفصائل المنضوية في منظمة التحرير.
وقد وثق "ائتلاف أمان" استمرار تقديم الدعم المالي للفصائل من مخصصات الصندوق القومي، مع انتقادات لغياب الشفافية حول حجم المخصصات ومعايير توزيعها.
وبذلك لدينا مسار مالي واضح في جزء منه: الموازنة العامة → مؤسسات منظمة التحرير والصندوق القومي → الفصائل → نفقات ورواتب ومتفرغون.
ولا توجد أمامنا كشوف رسمية منشورة تسمح بالقول إن كل عضو في قيادة فصيل يتلقى شخصياً مخصصاً من المال العام، ولذلك لا يصح إطلاق اتهام جماعي.
لكن المادة الثامنة لا تتحدث فقط عن الموظف؛ بل عن كل من يتقاضى راتباً أو مخصصاً شهرياً من الخزينة أو من صندوق عام تابع لها أو خاضع لإشرافها.
ومن هنا يصبح السؤال للجنة: إذا ثبت أن قيادياً أو متفرغاً فصائلياً يحصل على مخصص شهري من أموال مصدرها الصندوق القومي، فهل يجب عليه الاستقالة؟
وهل تتغير صفة المال لمجرد أنه انتقل أولاً إلى حساب الفصيل ثم وصل إلى الشخص؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلى اللجنة تفسير لماذا. وإذا كانت الإجابة لا، فيجب أن تطبق القاعدة على الكبير والصغير بالمعيار ذاته.
اللجنة التنفيذية.. سؤال لا يحتاج إلى إطالة
المادة الثامنة لا تذكر أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالاسم، رغم أنها تذكر بالتفصيل الوزراء والموظفين والهيئات والمجالس.
لكن عدم ذكرهم لا يعني بالضرورة إعفاءهم؛ فقد يدخل عضو اللجنة التنفيذية تحت حكم المادة إذا كان يتقاضى راتباً أو مخصصاً تنطبق عليه شروطها.
لذلك القضية ليست: هل عضو اللجنة التنفيذية فوق القانون؟ بل: لماذا لا توجد قاعدة منشورة تحدد بوضوح وضعه ومصدر مخصصه ومعيار تطبيق المادة عليه؟
فالشفافية تقتضي أن يعرف المواطن مسبقاً هل القاعدة التي تطبق على موظف الوزارة والجمعية تصل أيضاً إلى أعلى مستويات النظام السياسي.
نائب الرئيس.. الاختبار الأوضح
وتصبح المسألة أكثر وضوحاً في حالة نائب الرئيس حسين الشيخ إذا قرر الترشح او قررت فتح ترشيحه ضمن قائمتها سواء هو أو أحد أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري الذين تم انتخابهم منذ 3 أشهر.
فالشيخ يشغل منصب نائب رئيس دولة فلسطين ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهو أيضاً نائب رئيس حركة فتح وعضو لجنتها المركزية المنتخب.
المفارقة أن المادة الثامنة عُدلت عام 2021، بينما استحدث منصب نائب الرئيس عام 2025. ثم صدر تعديل جديد لقانون الانتخابات في أغسطس/ آب 2026، لكنه لم يعدل المادة الثامنة ولم يحدد وضع هذا المنصب الجديد. ولا يتضمن القانون استثناءً صريحاً لنائب الرئيس.
لذلك على لجنة الانتخابات أن تجيب قبل معرفة أسماء المرشحين: هل يجب على نائب رئيس الدولة الاستقالة إذا ترشح؟ وهل يتلقى راتباً أو مخصصاً تنطبق عليه المادة الثامنة؟ وإذا استقال، هل تشمل الاستقالة أيضاً منصبه نائباً لرئيس اللجنة التنفيذية؟ أو أي منصب آخر يشغله؟.
هذا الامر ينطبق أيضا على أعضاء اللجنة المركزية لفتح والمكاتب السياسية للأحزاب الأخرى وأعضاء المجلس الثوري والمركزي فهم منتخبون.
ثم تأتي المفارقة المتعلقة بالعودة. الموظف العادي إذا استقال وخسر لا يعود تلقائياً، بينما منصب نائب الرئيس ليس وظيفة خدمة مدنية؛ فقد شُغل بترشيح سياسي ومصادقة اللجنة التنفيذية. وبالتالي لا يوجد نص يمنح صاحبه عودة تلقائية، لكن يمكن من حيث المبدأ أن يكون هناك طريق إلى إعادة تعيين سياسي جديد لا يتوفر للموظف العادي.
وهذه هي المسألة التي تحتاج إلى تفسير: لماذا تكون كلفة الترشح على الموظف محددة وقاسية، بينما تصبح أقل وضوحاً كلما صعدنا في هرم السلطة؟
الصغير يدفع.. والكبير ينتظر التفسير
لا يثبت كل ما سبق أن القانون يعفي كبار المسؤولين أو قيادات الفصائل، لكنه يكشف مفارقة يصعب تجاهلها: القانون واضح جداً عندما يصل إلى الموظف الصغير، لكنه يصبح محتاجاً إلى التفسير عندما يصل إلى بعض المواقع السياسية العليا.
فالموظف يستقيل.
وموظف الجمعية يستقيل.
وموظف الهيئة الدولية يستقيل.
والقاضي والعسكري والمحافظ يستقيلون، وقد لا يستطيعون العودة.
والنقابي المنتخب قد يكون مطالباً بالاستقالة.
أما قيادات الفصائل ومتلقو المخصصات عبر الصندوق القومي وأعضاء بعض الهيئات السياسية العليا، فلا تزال أسئلة مهمة بشأنهم بحاجة إلى تفسير معلن من لجنة الانتخابات.
وهنا تصبح مسؤولية اللجنة أكبر من مجرد فحص الأوراق التي تقدمها القوائم. عليها أن تعلن المعيار قبل الأسماء، لأن تفسير القانون بعد معرفة المرشح قد يفتح باب الشك في حياد تطبيقه.
كما تقع المسؤولية على مؤسسة الرئاسة التي عدلت قانون الانتخابات في 2026 وأبقت المادة الثامنة كما هي، رغم استحداث منصب نائب الرئيس ورغم الاعتراضات السابقة على قيود الاستقالة.
القضية في النهاية ليست اللجنة التنفيذية أو اللجنة المركزية أو المكاتب السياسية ولا فتح ولا أي فصيل بعينه.
السؤال هو: هل يستطيع موظف بسيط وقائد سياسي ورجل أعمال ونقابي أن يدخلوا السباق الانتخابي وفق شروط متكافئة؟
فالقانون الأساسي قال إن الفلسطينيين أمام القانون سواء، وكفل لهم حق الترشح وتكافؤ الفرص. وإذا كان منع استغلال الوظيفة والنفوذ هو الغاية من الاستقالة، فمن الطبيعي أن تزداد صرامة القاعدة كلما ازداد النفوذ، لا أن تصبح أكثر غموضاً.
رغم أن لجنة الانتخابات حددت استثناءات خلال تجربة 2021 غير المكتملة وسمحت للمتقاعدين والأكاديميين والأسرى وحتى لأعضاء الفصائل والمكاتب السياسية الا أن القانون لم يسمح.
وهنا يعود سؤال القواسمي ليختصر المشكلة: بعد كل هذه الاستقالات.. من بقي لكي يترشح؟
والسؤال الآخر: ماذا لو قرر صاحب العمل رفض الاستقالة؟ هل يكون ترشح الشخص رهنا بموافقة من هو أعلى منه رتبة وظيفية بغض النظر عن مكان العمل؟
وربما السؤال الأشد إلحاحاً: هل المادة الثامنة تحمي نزاهة الانتخابات، أم تجعل حق الوصول إلى المجلس التشريعي أسهل لمن يستطيع تحمل ثمن السياسة؟
وربما نحن بحاجة الى تعديل للقانون في الفقرة الثامنة لأن تفسير القانون من لجنة الانتخابات ليس بالضرورة أن يقبله القاضي خصوصا مع وضوح النصوص مما قد يقود إلى إقصاء كتل حتى لو وافقت لجنة الانتخابات فليس بالضرورة مصادقة المحاكم والقضاة على رأيهم.



