خبرني - احتفظ كهف موفيل في رومانيا بأسرار بيولوجية استثنائية لنحو 5.5 ملايين سنة، قبل أن يصل إليه العلماء ويكتشفوا داخله عالماً معزولاً عن سطح الأرض، وقد كان اكتشاف الكهف بالصدفة، العام 1985، عن طريق العالم الروماني "كريستيان لاسكو" خلال البحث عن موقع ملائم لبناء محطة طاقة في مقاطعة كونستانتا جنوب شرقي رومانيا.
اكتشف العلماء في أعماق الكهف نظاماً بيئياً، وتطوراً بعيداً عن سطح الأرض، ومكاناً تعيش عليه كائنات لا يصل إليها ضوء الشمس، وأجواء فقيرة بالأكسجين وغنية ببعض الغازات، وداخل هذه البيئة الاستثنائية تمكنت مجموعة من الكائنات الحية من البقاء والتطور، قد تبدو للوهلة الأولى غير صالحة للحياة.
هنا تبدأ الحياة دون شمس
في معظم البيئات الطبيعية، تبدأ السلسلة الغذائية بالنباتات التي تستخدم ضوء الشمس لإنتاج الطاقة عبر عملية البناء الضوئي. أما داخل موفيل، فقد اتخذت الحياة مسارًا مختلفًا تمامًا.
في قاعدة هذا النظام البيئي توجد بكتيريا كيميائية التركيب، وهي كائنات دقيقة تستطيع إنتاج الطاقة اعتمادًا على التفاعلات الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس. وتستفيد هذه البكتيريا من مركبات موجودة في بيئة الكهف، من بينها: كبريتيد الهيدروجين، والميثان، والأمونيوم.
وتتجمع هذه البكتيريا في طبقات ميكروبية تغطي أجزاء من الجدران والأرضيات والأسطح المائية، لتشكل مصدر الطاقة الأساس الذي تعتمد عليه بقية الكائنات الموجودة في هذا العالم الجوفي.
لكن الظروف داخل الكهف قاسية للغاية. فالرطوبة تقترب من 100%، بينما ترتفع مستويات ثاني أكسيد الكربون، وينخفض تركيز الأكسجين إلى نحو ثلث المستوى المعتاد في الهواء على سطح الأرض. ومع ذلك، لم تمنع هذه الظروف الحياة من الاستمرار، بل أدت إلى ظهور كائنات شديدة التخصص قادرة على التأقلم معها.
مخلوقات تطورت دون ضوء
كشفت الدراسات عن مجموعة كبيرة من الكائنات التي تعيش داخل الكهف، من بينها أنواع من: القواقع، والديدان الخيطية، والقشريات، والحشرات، والعناكب، والعلَق، وغيرها من اللافقاريات.
واللافت أن بعض هذه الكائنات تحمل صفات تعكس تاريخًا طويلًا من الحياة في الظلام. فقد فقدت بعض الأنواع قدرتها على الإبصار، بعدما أصبحت العيون أقل فائدة في بيئة لا يصل إليها الضوء أصلًا. وبدلًا من ذلك، اعتمدت على حواس أخرى تساعدها في تحديد مواقعها والعثور على الغذاء، مثل اللمس والإشارات الكيميائية.
كما تبدو بعض الكائنات شاحبة أو شبه شفافة، في تغير تطوري منطقي داخل عالم لا يمثل فيه اللون أي أهمية تقريبًا.
ومن أكثر سكان الكهف إثارة للاهتمام حريش لاحم يبلغ طوله نحو بوصتين، ويُعد أحد أبرز المفترسات في النظام البيئي، إذ يصطاد كائنات أصغر منه تعيش في الظروف نفسها.
أهمية كهف موفيل لا تقتصر على غرابة الكائنات التي تعيش داخله، بل تكمن أيضًا في الطريقة التي تمكن بها هذا النظام البيئي من الاستمرار دون الاعتماد المباشر على ضوء الشمس.
ويقدم الكهف نموذجًا طبيعيًا يوضح أن الحياة يمكن أن تعتمد على مصادر الطاقة الكيميائية بدلًا من الطاقة الشمسية، وهو ما يجعل العلماء ينظرون إليه باهتمام عند دراسة البيئات القاسية خارج الأرض.
وتبرز هنا أهمية أقمار جليدية مثل أوروبا وإنسيلادوس، إذ تشير الأدلة إلى وجود محيطات مائية تحت أسطحهما الجليدية. وفي إنسيلادوس تحديدًا، رصدت المركبات الفضائية أعمدة تنطلق من باطن القمر وتحتوي على مجموعة من المركبات، من بينها: الماء، وثاني أكسيد الكربون، والميثان، ما دفع العلماء إلى التساؤل عما إذا كانت بيئته الداخلية قد توفر ظروفًا مناسبة لحياة ميكروبية.



