خبرني - لم تكن فرحة الوالد عاصم زمزم بتحقيق ابنته جنان معدل 98.2 فرحة عابرة، بل كانت لحظة استثنائية حملت الكثير من الفخر والاعتزاز، بعدما تمكنت ابنته من تسجيل أعلى معدل في تاريخ العائلة، وتحطيم الرقم القياسي السابق لتكتب باسمها رقما جديدا في سجل التفوق العائلي.
وراء هذا الرقم قصة طويلة من الاجتهاد والتحديات والعمل المتواصل، لم تكن فيها الطريق مفروشة بالسهولة، بل مرت "جنان" بمحطات احتاجت فيها إلى بذل جهد إضافي، خصوصا في المواد المرتبطة بتخصصها في الحقل الهندسي، وعلى رأسها الرياضيات.
ويؤكد والدها أن الوصول إلى معدل 98.2 لم يكن نتيجة لحظة واحدة أو فترة قصيرة من الدراسة، وإنما ثمرة تراكمية لمسيرة من الاجتهاد، بدأت ملامحها منذ سنوات الدراسة الأولى، وتحديدا عندما ظهر تفوق جنان بشكل واضح، الأمر الذي فتح أمامها بابا جديدا لمواصلة تعليمها في بيئة تعليمية مختلفة.
من المدرسة الحكومية إلى منحة التفوق
حتى الصف التاسع، كانت جنان تدرس في المدارس الحكومية، قبل أن تنتقل إلى مدرسة خاصة من خلال منحة حصلت عليها تقديرا لتفوقها الدراسي.
وكان الانتقال في حد ذاته محطة مهمة في مسيرتها، إذ أتاح لها فرصة الاستفادة من بيئة تعليمية ساعدتها على تطوير مستواها، خاصة في مادتي الرياضيات واللغة الانجليزية، وهما مادتان كان لتقويتهما دور مهم في بناء أساس متين لمراحل الدراسة اللاحقة.
ويشير والدها إلى أن المدرسة الخاصة اهتمت في الصف العاشر بتأسيس جنان بشكل قوي، خاصة في الرياضيات والانجليزية، وهو ما شكل قاعدة مهمة ساعدتها لاحقا على التعامل مع متطلبات المرحلة الثانوية بصورة افضل.
الرياضيات.. التحدي الاصعب
كان التحدي الاكبر بالنسبة لجنان في المواد المرتبطة بالحقل الهندسي هو الرياضيات.
فمرحلة الصف الاول الثانوي كانت تفتقر إلى دراسة الرياضيات بالشكل الذي تحتاجه طالبة تتجه لاحقا إلى حقل يعتمد بصورة كبيرة على هذه المادة، وهو ما جعل الحاجة إلى تأسيس وتعويض ما فات امرا ضروريا.
ومن هنا بدأ التعامل مع الرياضيات باعتبارها تحديا يجب تجاوزه، وليس مادة يصعب التعامل معها.
ولم يكتف والدها بما تقدمه المدرسة، بل بحث عن نماذج اسئلة مشابهة بدرجة كبيرة لنمط امتحانات الوزارة، لتتدرب جنان عليها بصورة مستمرة. وكانت بعض هذه النماذج تحتاج منها إلى نحو ثلاث ساعات كاملة حتى تتمكن من حلها ومراجعة خطواتها.
لم يكن الهدف من هذه التدريبات مجرد الحصول على علامة مرتفعة في اختبار عابر، بل كان بناء قدرة حقيقية على التعامل مع طبيعة امتحان التوجيهي، من حيث طول الاسئلة، وإدارة الوقت، والتركيز، والتعامل مع المسائل التي تحتاج إلى تفكير متدرج.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه التدريبات إلى نوع من التهيئة النفسية والعلمية للامتحان، بحيث تدخل جنان إلى الاختبار وهي اكثر اعتيادا على نمط الاسئلة والوقت المطلوب للحل.
منهاج طويل.. والاستعانة بالمنصات التعليمية
ومن التحديات التي واجهتها جنان كذلك طول المنهاج الدراسي، إذ كان من الصعب في بعض الاحيان أن تتمكن المعلمة من ختم جميع التفاصيل المطلوبة بالعمق والوقت الكافي داخل الحصة المدرسية.
وهنا كان لا بد من البحث عن وسائل تعليمية مساندة، فتمت الاستعانة بالمنصات التعليمية التي لعبت دورا كبيرا في رحلة التحضير.
ويرى والدها أن هذه المنصات كان لها فضل يقدر بنحو 60 بالمئة في الوصول إلى هذه النتيجة، لما وفرته من شرح اضافي، وتدريبات، ونماذج اسئلة، وفرصة لمراجعة الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح.
وهذا يعكس جانبا مهما من قصة جنان، وهو أن النجاح الدراسي في المراحل المصيرية لا يعتمد دائما على مصدر تعليمي واحد، بل قد يحتاج الطالب إلى الاستفادة من المدرسة، والمعلم، والمنصات التعليمية، والتدريب الذاتي، ودعم الاسرة، ثم تحويل كل ذلك إلى جهد شخصي منظم.
ست ساعات يوميا.. والاستمرارية تصنع الفارق
لم تكن ساعات الدراسة لدى جنان رقما ثابتا كل يوم، إلا أن معدل الدراسة كان يصل إلى ست ساعات أو اكثر في اليوم، وبصورة شبه يومية.
وهنا يؤكد والدها أن المسألة لم تكن مرتبطة بعدد الساعات وحده، بل بالاستمرارية والاجتهاد.
فقد تكون هناك ايام يحتاج فيها الطالب إلى ساعات دراسة اطول، وايام اخرى تكون فيها المراجعة اخف، لكن المهم هو ألا تنقطع العلاقة مع الدراسة، وأن يحافظ الطالب على وتيرة عمل مستمرة تتناسب مع قدراته واحتياجاته.
ومن هذا المنطلق يختصر عاصم جزءا من فلسفة ابنته في جملة بسيطة لكنها تحمل الكثير من المعنى:
لكل مجتهد نصيب
فمعدل 98.2 بالنسبة له ليس مجرد رقم مكتوب في كشف العلامات، وإنما نتيجة طبيعية لتراكم ساعات طويلة من التدريب والمراجعة، ولقدرة الطالبة على الاستمرار حتى عندما تكون المادة صعبة أو المنهاج طويلا.
دور الاسرة.. دعم لا ضغط
ومن ابرز الرسائل التي يوجهها والد جنان إلى الاهالي ألا يتحول حرصهم على مستقبل ابنائهم إلى ضغط مستمر عليهم.
فمن وجهة نظره، يحتاج الطالب إلى الدعم والتشجيع والثقة بقدر حاجته إلى الدراسة والمراجعة. والاسرة الناجحة ليست التي تراقب عدد ساعات الدراسة فقط، بل التي تساعد الابن أو الابنة على اكتشاف نقاط الضعف، وتوفر له الوسائل التي يحتاجها، وتمنحه شعورا بأنه قادر على النجاح.
ويحمل هذا الجانب من تجربة جنان رسالة مهمة للاباء والامهات: المقارنة المستمرة بين الابناء وغيرهم قد لا تكون الطريق الافضل للتحفيز، كما أن التركيز على العلامة وحدها قد يجعل الطالب يشعر بأن قيمته مرتبطة بالنتيجة.
الافضل هو مساعدة الطالب على بناء علاقة صحية مع الدراسة، تقوم على الانضباط والثقة والصبر، مع الاحتفاء بالتقدم حتى لو كان تدريجيا.
النجاح لا يبدأ يوم الامتحان
تكشف تجربة جنان أن يوم الامتحان ليس سوى محطة اخيرة في رحلة بدأت قبل ذلك بسنوات.
فالرقم القياسي الذي حققته لم يصنعه امتحان واحد، وإنما صنعته مجموعة من القرارات الصغيرة والمتراكمة: الاستفادة من المنحة التعليمية، تقوية الاساس في الرياضيات والانجليزية، التدريب على نماذج مشابهة لامتحانات الوزارة، الاستفادة من المنصات التعليمية، تخصيص ساعات طويلة للدراسة، والاستمرار في مواجهة نقاط الضعف بدلا من الهروب منها.
ولعل اهم ما في القصة أن الرياضيات، التي كانت تمثل تحديا حقيقيا، لم تتحول إلى نقطة ضعف دائمة، بل أصبحت جزءا من معركة التفوق التي خاضتها جنان حتى النهاية.
وهنا تكمن قيمة التجربة: النجاح لا يعني ألا يواجه الطالب صعوبات، بل يعني أن يعرف كيف يتعامل معها، وأن يحول نقاط الضعف إلى مجالات للعمل والتطوير.
حلم يتجاوز علامة التوجيهي
ورغم أن نتيجة التوجيهي تمثل محطة مهمة في حياة جنان ، فإن طموحها لا يتوقف عند معدل 98.2.
فالطالبة تحلم مستقبلا بدراسة تخصص في **الذكاء الاصطناعي أو الامن السيبراني**، وهما مجالان يرتبطان بالتكنولوجيا والابتكار، ويحتاجان إلى شغف بالتعلم المستمر والقدرة على التفكير والتحليل وحل المشكلات.
وبذلك يبدو أن الرقم الذي سجلته جنان في تاريخ عائلتها ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد منها.
فبعد أن حطمت الرقم القياسي العائلي، تتجه الانظار الآن إلى المرحلة الجامعية، حيث ستبدأ رحلة مختلفة تحتاج إلى مهارات جديدة، ومسؤولية اكبر، وطموح لا تحده علامة في كشف النتائج.
فخر عائلي ورسالة لكل طالب
سعادة الوالد عاصم بابنته تبدو مفهومة، فهي لم تحقق فقط معدلا مرتفعا، بل صنعت لنفسها مكانا خاصا في تاريخ عائلتها الدراسي.
ومع ذلك، فإن اجمل ما يمكن أن تحمله هذه القصة ليس الرقم وحده، وإنما الرسالة التي تقف خلفه: أن التفوق يحتاج إلى بيئة داعمة، وتأسيس جيد، وتدريب مستمر، واستفادة ذكية من المصادر التعليمية، وقبل كل ذلك إرادة الطالب نفسه.
قصة جنان تؤكد أن الوصول إلى القمة لا يحدث فجأة، وأن الطريق قد يبدأ من مدرسة حكومية، ثم ينتقل إلى منحة تفوق، ويمر بتحديات في الرياضيات، وساعات طويلة من الدراسة، ونماذج امتحانية تحتاج إلى ثلاث ساعات من التركيز، ومنصات تعليمية تسد بعض الفجوات، وصولا إلى نتيجة تفتح بابا جديدا للمستقبل.
لقد حصلت جنان على 98.2، وحطمت الرقم القياسي في عائلتها، لكنها حققت في الوقت نفسه انجازا اهم: أثبتت لنفسها أن الصعوبة ليست علامة على العجز، وأن المادة التي تبدو في البداية تحديا كبيرا يمكن أن تصبح قابلة للتجاوز عندما يقابلها الطالب بالصبر والتدريب والعمل.
ويبقى حلم الذكاء الاصطناعي أو الامن السيبراني شاهدا على أن طموح جنان اكبر من مجرد رقم، وأن 98.2 قد تكون نقطة انطلاق نحو قصة نجاح جديدة، تكتب فصولها في الجامعة، ثم في الحياة المهنية، وربما في مجالات تقنية تحتاج إلى جيل جديد من الشباب القادر على التعلم والابتكار وصناعة المستقبل.
وفي النهاية، تبقى رسالة والدها عاصم هي الاكثر اختصارا لهذه التجربة: لكل مجتهد نصيب، ولمن يرافق ابناءه بالدعم والثقة بدلا من الضغط، نصيب ايضا من فرحتهم حين يصلون إلى ما حلموا به.



