لم تتعامل وسائل الإعلام الإسرائيلية مع "اتفاق مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه تحالفا موجها مباشرة ضد إسرائيل، لكنها لم تعتبره تطورا عابرا، وبين التهوين من قدرته العملياتية والتحذير من وزنه السياسي، برز قلق من بناء الرياض شبكة أمنية إقليمية، ومن دخول النفوذ التركي والقدرة النووية الباكستانية معادلة قوة إقليمية جديدة.
وتوزعت القراءة الإسرائيلية بين سؤالين، أولهما هل يتحول الاتفاق إلى "ناتو إسلامي" حقيقي؟ وثانيهما هل تكمن خطورة الاتفاق في إعادة ترتيب النفوذ على الصعيد الإقليمي؟
والنقطة المشتركة الأبرز بين التقارير الواردة في الإعلام الإسرائيلي هي أن الاتفاق لم يُنشأ أساسا لمواجهة إسرائيل، إذ يرى يوئيل غوزانسكي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، أن "الخطأ الإسرائيلي سيكون رؤية كل تقارب عسكري بين الدول الإسلامية كتحالف مناهض لإسرائيل"، لكنه حذر من تجاهل تداعياته.
وفي تقرير آخر للقناة 12، اتفقت ميخال يعاري، المتخصصة في دول الخليج بجامعة بن غوريون، ويوسي مان، المتخصص في مجتمع واقتصاد الخليج بجامعة بار إيلان، على أن الاتفاق ليس "ضد إسرائيل"، وإنما محاولة لتحسين الوضع الأمني والسياسي للدول الثلاث.
ناتو إسلامي؟
وقد دفعت صيغة الدفاع المشترك الصحافة الإسرائيلية إلى مقارنته بالمادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ونقلت "يديعوت أحرونوت" عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قوله إن الاتفاق مماثل لهذا المبدأ، وسيضم لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، مع إمكانية توسيعه ليشمل دولا أخرى، بينها مصر، كما اعتبر التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا من أهم عناصره.
وأكد غوزانسكي عدم وجود دليل على قيادة عسكرية مشتركة أو التزامات عملياتية شبيهة بالناتو، بينما رأت يعاري أن الاتفاق "دعائي أكثر منه عملياتيًا"، وأن المساعدة قد تكون دبلوماسية أو اقتصادية لا عسكرية بالضرورة.
اختبار القوة
وفي مقال بصحيفة "هآرتس" ذكر تسفي بارئيل أن باكستان انضمت سابقا إلى تحالفات سعودية، لكنها امتنعت عن المشاركة المباشرة في حرب اليمن، وبقي تعاونها العسكري مع الرياض عند حدود التدريب والاستشارة.
ونقلت ليزا روزوفسكي في "هآرتس" عن دبلوماسي إسرائيلي مخضرم قوله إن فرص قيام التحالف بتحركات عسكرية كبيرة قريبا "ضئيلة للغاية"، مستشهدا بأن الاتفاق السعودي الباكستاني السابق لم يؤد إلى تدخل باكستاني عندما تعرضت المملكة لهجمات، لذلك لا تبدو الخشية من جيش ثلاثي موحد، بل مما قد يتطور حوله.
وبحسب الإعلام الإسرائيلي، تظل تركيا هي العنصر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لتل أبيب، وقال يوسي مان للقناة 12 إن الاتفاق "يبرز التهديد الخطير الذي نواجهه من تركيا"، معتبرا أن أنقرة ترى فيه وسيلة لتعزيز "ادعائها القدرة على قيادة العالم الإسلامي".
وتشير القناة 12 إلى أن السعودية تتقارب مع دولتين علاقتاهما بإسرائيل أكثر تعقيدا، وقالت يعاري إن حرب غزة والحرب مع إيران ساهمتا في تسريع المسار السعودي نحو أنقرة وإسلام آباد: "إسرائيل لم تدفع السعودية إلى أحضانهما، لكنها ساهمت في ذلك".
وفي "هآرتس"، وصف مصدر إسرائيلي الاتفاق بأنه سلبي بسبب المنافسة مع تركيا، بينما رأى آخر أن التوقيع يمثل "عودة تركيا إلى أحضان العالم العربي والإسلامي"، مستفيدة من موقفها خلال حرب غزة.
النووي الباكستاني
ويحذر غوزانسكي من استنتاج أن الرياض أو أنقرة حصلتا على "مظلة نووية" باكستانية، فالدفاع المتبادل لا يعني نقل السيطرة على الترسانة أو التعهد باستخدامها، لكنه يرى أن الغموض يمتلك قيمة ردعية، لأن خصوم السعودية سيحسبون موقف باكستان من أي هجوم.
أما شموئيل إلماس في "غلوبس"، فصاغ المثلث بمنطق تكامل القدرات، أي المال السعودي يعوض الضعف الاقتصادي الباكستاني، وباكستان توفر الردع النووي، وتركيا توفر الصناعة والتكنولوجيا العسكرية، مما يمنح الاتفاق وزنًا يتجاوز البيان السياسي.
وتتكرر في معظم القراءات مسألة الخيارات السعودية، إذ يقول غوزانسكي إن الرياض لا تتخلى عن واشنطن، لكنها لم تعد مستعدة لوضع أمنها في يد طرف واحد، ولذلك تبني شبكة متعددة من الشركاء، والخطر هو أن تستطيع الدول العربية بناء "آليات أمن إقليمية دون إسرائيل"، بما يخفض دورها النسبي داخل هندسة أمنية مستقبلية، أما مان فيقرأ الاتفاق بوصفه "إشارة لإسرائيل كي تفعل شيئًا"، لأن السعوديين يريدون التأكيد أنهم "ليسوا في جيب أحد".
ويجمع التحليلات أيضا اهتزاز الثقة بالولايات المتحدة ، فيرى تقرير ليزا روزوفسكي أن إنشاء المحور الثلاثي دليل على "فقدان الثقة الإقليمية بالولايات المتحدة وتآكل مكانتها".
ونقل التقرير عن مصدر إسرائيلي قوله إن دول الخليج خرجت من المواجهة مع إيران وهي تشعر بأن دفاعاتها غير كافية، وأن الولايات المتحدة، رغم انتشارها العسكري، لم توفر الحماية المتوقعة، ووصف دبلوماسي هذا الواقع بأنه عصر "ليبرالية التحالفات"، حيث تبحث الدول عن شبكات متعددة بدل التحالف الحصري.
الخطر السياسي
من جهة أخرى، يرى بارئيل أنه يمكن التشكيك في الفاعلية العسكرية للاتفاق، لكن "أهميته السياسية الكبيرة لا جدال فيها"، إذ يعتقد أن السعودية وتركيا وباكستان أثبتت قدرتها منفردة على التأثير في قرارات إدارة دونالد ترمب، وأن التنسيق بينها قد يحوّل الاتفاق إلى "تحالف مانع" يؤثر في السياسة الأمريكية.
ووفق هذه القراءة، قد تتحوّل إسرائيل من اللاعب الإقليمي المميز في واشنطن إلى مجرد منافس أمام كتلة منسقة، ويذهب بارئيل إلى التحذير من أن إطارا كهذا قد يُضعف التصور الأمريكي لإسرائيل باعتبارها "أصلا إستراتيجيا حصريا".
ولا تخلو القراءات من اتجاه معاكس، حيث يرى بعض المحللين أن تناقضات التحالف قد توفر لإسرائيل فرصة لبناء ثقل موازن مع الهند والإمارات واليونان وقبرص اعتمادا على تفوقها العسكري والتكنولوجي، كما نقلت "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي احتمال أن يساهم استقرار العلاقات بين الدول الثلاث في توسيع شبكة التطبيع.
وفي الخلاصة تكشف التغطية الإسرائيلية أن القلق من "اتفاق مكة" لا يتعلق بما يستطيع فعله عسكريا اليوم، بقدر ما يتعلق بما يمكن أن يصبح عليه سياسيا وأمنيا غدا، فالتحالف يمنح السعودية خيارات أوسع، ويعيد تركيا إلى مركز المشهد، ويضيف الغموض النووي الباكستاني للمعادلة، ومن هنا، فإن الاختبار الإسرائيلي الحقيقي لن يكون في إعلان "ناتو إسلامي"، بل في ما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى شبكة مؤسسات وتسليح واستخبارات وتنسيق سياسي تقلص وزن إسرائيل في الإقليم.



