*
الاثنين: 10 أغسطس 2026
  • 10 أغسطس 2026
  • 10:53
كم تنام الأمهات العاملات فعلاً

خبرني - مذيعة تغفو على الهواء مباشرة، في لقطة انتشرت سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لم تتحول إلى موقف محرج أو مادة للسخرية فقط، بعدما اكتشف المشاهدون أن وراء تلك الثواني الخمس من النوم أماً لطفلتين، عادت حديثاً من إجازة الأمومة وتعمل في ساعات الفجر الأولى. وحصلت دومينيك ديلون، مذيعة "فوكس 13 ممفيس"، على موجة واسعة من التعاطف بعدما تحولت غفوتها القصيرة إلى حديث عن إرهاق الأمهات وصعوبة التوفيق بين العمل والأمومة.

فالأطفال ينامون خلال ساعات النهار، بينما يظلون مستيقظين وجائعين طوال الليل. ومشكلاتهم ليست نادرة نسبياً؛ إذ يواجه ما يصل إلى 30% من الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام، و15% من الأطفال في سن المدرسة، صعوبة منتظمة في الخلود إلى النوم أو الاستمرار فيه طوال الليل، وفقاً لبيانات مؤسسة النوم الوطنية. وهذا يعني أن ملايين الآباء والأمهات يمضون أيامهم وهم يتحركون كالأموات الأحياء، وبعضهم يعيش سنوات من دون ليلة نوم متواصلة.
اتضح أن أطفال القرون الماضية لم يكونوا، بطريقة سحرية، أفضل في النوم. ويرى بنجامين ريس، الأستاذ في جامعة إيموري ومؤلف كتاب "ليالٍ برية: كيف جعل ترويض النوم عالمنا أكثر قلقاً"، أن "الإيقاعات اليومية الطبيعية للإنسان تتغير على امتداد دورة الحياة". فالأطفال الرضع، على سبيل المثال، يحتاجون إلى نوم أكثر من البالغين، لكنه يكون أكثر تقطعاً.
وقبل القرن التاسع عشر، كانت العائلات غالباً ما تنام جميعها في غرفة واحدة، بحسب ريس. فإذا استيقظ طفل خلال الليل، كان بإمكان أحد الوالدين أو أي فرد آخر من الأسرة الاستجابة له بسرعة، ثم يعود الجميع إلى النوم. كما لم يكن الآباء والأمهات يواجهون حينها مشكلة إضافية تتمثل في قلق الانفصال الذي قد يعقّد محاولات جعل الطفل ينام في غرفته الخاصة.

وكان أفراد الطبقة العاملة في المجتمعات ما قبل الصناعية يعيشون غالباً في أسر متعددة الأجيال، تضم أفراداً كثيرين يمكنهم المساعدة ليلاً، بحسب جنيفر رايت، مؤلفة كتاب "تحسن قريباً: أسوأ الأوبئة في التاريخ والأبطال الذين حاربوها"، وغيرها من الكتب التاريخية. أما الأكثر ثراءً، فكان لديهم خدم.

وكانت المرضعات يعملن ليلاً في كثير من الأحيان، ما كان يتيح للأمهات الميسورات النوم والتعافي بعد الولادة. وترى رايت أن ذلك "لم يكن كافياً". ففي القرن الثامن عشر، كان بعض الناس يرسلون أطفالهم خلال فترة الرضاعة للعيش في منازل المرضعات، لتجنب تغيير الحفاضات أو الاستماع إلى بكاء الطفل. وكانت الكاتبة جين أوستن، على سبيل المثال، قد أُرسلت للعيش في القرية مع مرضعتها خلال السنوات الأولى من حياتها.

كما كانت الجداول الزمنية مختلفة قبل القرن التاسع عشر، إذ كان جزء كبير من تعليم الأطفال وعمل الآباء والأمهات يتم داخل المنزل أو بالقرب منه، وفق ريس. ولم تكن هناك حاجة إلى أن يستيقظ الجميع ويغادروا المنزل في ساعة محددة.

لكن ذلك تغير مع الثورة الصناعية، عندما كان يُتوقع من البالغين، بمن فيهم كثير من النساء، "العمل 14 ساعة يومياً في مصنع بدلاً من العمل في أراضيهم الريفية"، بحسب رايت. وأصبح الآباء والأمهات في حاجة إلى النوم وفق جدول زمني محدد، كما احتاجوا إلى أن يلتزم أطفالهم بجدول مماثل. وكان الحل بالنسبة إلى البعض هو "اللودانوم"، وهو مستحضر من الأفيون كان يُعرف أحياناً باسم "مربية الأطفال الفقراء".

صحيح أن إعطاء الأطفال الأفيون يجعلهم هادئين، لكنه قد يكون قاتلاً، ولذلك تراجعت هذه الممارسة، وحل محلها عدد كبير من خبراء تربية الأطفال الذين قدموا نصائح لمساعدة الأطفال على النوم، بحسب ريس. وفي الوقت نفسه، أدى ازدياد الثروة الناتج من التصنيع إلى ظهور منازل أكبر، وانتشار غرف النوم المنفصلة للآباء والأطفال. وبدأ أطباء الأطفال ينصحون الآباء والأمهات بعدم السماح للأطفال بالنوم في سرير الوالدين، "لأن ذلك سيعطل نوم الجميع".

وهذا، إلى حد كبير، هو الوضع الذي نعيشه اليوم، مع عمل ومدارس تسير وفق جداول زمنية صارمة، وآباء وأمهات عالقين أمام المهمة الصعبة المتمثلة في جعل أطفالهم يلتزمون بها. وكما أوضحت رايت: "قد يفاجئ الآباء والأمهات المعاصرين الذين يشعرون بأنهم يتعاملون مع نوم أطفالهم بطريقة سيئة للغاية أنهم، على الأرجح، يتعاملون معه بفاعلية أكبر من أي آباء آخرين في التاريخ".

واليوم، تعيش كثير من الأسر ما يمكن وصفه بـ"وردية مزدوجة": رعاية الأطفال والعمل خارج المنزل. ففي الولايات المتحدة، تعتمد أكثر من خمس أسر لديها أطفال حالياً على دخل الوالدين معاً، بينما تتجاوز النسبة ستاً من كل عشر أسر في الاتحاد الأوروبي. ولا تزال الفوارق بين الجنسين قائمة أيضاً، إذ يقع الجزء الأكبر من أعمال الرعاية والعمل المنزلي عادة على النساء، ما يجعل الأمهات، على وجه الخصوص، يشعرن بمزيد من التعب.

ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن البشر ربما تطوروا ليكونوا قادرين على تحمل ضغوط الحرمان من النوم خلال المراحل المبكرة من الأبوة والأمومة، باعتبار ذلك ثمناً تطورياً لبقاء النوع. لكن الثقافة المحيطة بنا اليوم ربما جعلت الحفاظ على هذه القدرة على التكيف أكثر صعوبة.

ويشرح عالم الأنثروبولوجيا التطورية ديفيد سامسون، مدير مختبر النوم والتطور البشري في جامعة تورنتو، لبي بي سي: "تطورنا لنكون قادرين على التكيف، ولدينا المرونة والقدرة على التعامل مع الأزمات ومراحل الحياة المختلفة. ستكون هناك فترات في الحياة يكون فيها الأمر يستحق ذلك. أنت تنتقل من التركيز على طول العمر إلى مهمة بالغة الأهمية في اللحظة الراهنة. وأعتقد أن الإنجاب إحدى هذه المهام".
في الأحاديث اليومية، غالباً ما يُنظر إلى تربية الأطفال والحرمان من النوم باعتبارهما أمرين مترادفين. إلا أن الأدلة بشأن مقدار النوم الذي يفقده الآباء بعد إنجاب طفل متباينة، كما تختلف باختلاف الثقافات. فقد وجدت إحدى الدراسات، على سبيل المثال، أن الأمهات الألمانيات اللواتي ينجبن للمرة الأولى يحصلن في المتوسط على ساعة نوم أقل كل ليلة خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد ولادة أطفالهن مقارنة بفترة ما قبل الحمل، فيما يفقد الآباء نحو ثلث ساعة. ورغم زيادة مدة النوم بعد وصولها إلى أدنى مستوياتها خلال الشهر الثالث، لم يستعد أي من الوالدين تماماً مدة نومه السابقة للحمل حتى بعد مرور ست سنوات.

لكن الفارق الإجمالي بين الآباء وغير الآباء بعد فترة ما بعد الولادة ليس كبيراً بالقدر الذي قد نعتقده. فقد وجدت الدراسة الألمانية، التي شملت نحو 40 ألف شخص، أن الآباء الذين لديهم طفل واحد على الأقل دون السادسة من العمر أفادوا بأنهم ينامون نحو سبع ساعات في الليلة. وكان غير الآباء يحصلون على 10 دقائق إضافية فقط من النوم لدى النساء و14 دقيقة لدى الرجال.

وفي الوقت نفسه، أظهر مسح أُجري في الولايات المتحدة عام 2024 أن الآباء الذين لديهم أطفال دون السادسة يقضون في المتوسط بين ثماني وتسع ساعات في السرير كل ليلة، وهي مدة تقع ضمن النطاق الموصى به. وبالمثل، وجدت دراسة فرنسية تابعت أكثر من 400 زوج خلال الأشهر الـ36 التي أعقبت الولادة أن الأمهات والآباء كانوا يسجلون في المتوسط ثماني ساعات من النوم أو أكثر في جميع مراحل المتابعة، رغم أن بعض المشاركين كانوا ينامون 4.25 ساعات فقط في الليلة، فيما كان آخرون ينامون ما يصل إلى 12 ساعة.

وبالطبع، تعتمد هذه البيانات في الغالب على تقارير المشاركين عن أنفسهم، ولذلك قد يبالغ الأشخاص في تقدير مدة نومهم أو يقللون منها، كأن يبدؤوا احتسابها منذ وقت ذهابهم إلى السرير بدلاً من وقت استغراقهم في النوم، مثلاً.

لكنها تشير إجمالاً إلى أن كثيراً من الآباء يحصلون على قدر جيد نسبياً من النوم، وإن كان هناك تفاوت كبير بينهم.

الأطفال يحتاجون إلى النوم حتى لو لم يرغبوا فيه

مع ذلك، علينا التعامل مع الأمر. فمعظم الآباء والأمهات لديهم عمل، ومعظم الأطفال لديهم مدارس، والجميع يحتاج إلى الراحة؛ من خمس إلى تسع ساعات للبالغين، وتسع إلى عشر ساعات للأطفال الصغار، وفقاً للينيل شنبرغ، وهي اختصاصية في علم نفس النوم وزميلة في الأكاديمية الأميركية لطب النوم.

يعرف كثير من الآباء والأمهات جيداً عواقب الحرمان من النوم، الذي أوضحت شنبرغ لـ"فوكس" أنه استُخدم وسيلةً للتعذيب. وإلى جانب مشكلات الذاكرة والتركيز، يمكن أن يؤثر نقص النوم في المزاج، فيزيد خطر القلق والاكتئاب ويجعلنا أكثر عصبية.

ويزيد الحرمان من النوم لدى البالغين أيضاً خطر الإصابة بمجموعة واسعة من الأمراض، بدءاً من ارتفاع ضغط الدم وصولاً إلى الخرف. وعندما يواجه الطفل صعوبة في النوم، غالباً ما يفقد الآباء والأمهات الوقت القليل المتاح لهم لتواصل بعضهم مع بعض أو الاسترخاء بعد يوم من العمل ورعاية الأطفال. وأفادت سارة هوناكر، اختصاصية علم نفس نوم الأطفال في مستشفى رايلي للأطفال التابع لجامعة إنديانا هيلث، لـ"فوكس": "لقد رأيت بالتأكيد آباء وأمهات في عملي السريري يقولون إن وقت النوم هو أسوأ وأكثر أوقات يومهم إرهاقاً".
وترى شنبرغ أن بعض الأطفال يحتاجون إلى نوم أقل من المتوسط، لكن الانحرافات الكبيرة عن المتوسط نادرة. وأضافت: "معظم الأطفال المحرومين من النوم يظهر عليهم نوع من العواقب خلال النهار".

وقد تشمل هذه العواقب صعوبة التعلم وتنظيم المشاعر، بل الإصابة بالمرض بوتيرة أكبر، بحسب هوناكر. كما وصفت حلقة مفرغة: فالأطفال الذين يجدون صعوبة في الإخلاد إلى النوم يفقدون الارتباط بين الذهاب إلى السرير والنوم، ما يدفعهم إلى مقاومة وقت النوم، ويؤدي إلى مزيد من الصراع مع الوالدين ومزيد من التوتر المرتبط بالذهاب إلى السرير. وأوضحت هوناكر: "كل ذلك يجعل من الصعب عليهم النوم".
كيف نساعد الجميع على الحصول على قسط من الراحة؟

    لا شاشات بعد العشاء

    روتين ثابت لوقت النوم يتضمن القراءة

    غرفة مظلمة وضوضاء بيضاء

ومع ذلك، فإن معظم الآباء والأمهات الذين نعرفهم على دراية بهذه النصائح، لكن كثيرين ما زالوا يواجهون صعوبة.

وتوصي هوناكر بأن يكون الآباء والأمهات أكثر استراتيجية في تحديد وقت نوم الطفل بحيث يتزامن مع شعوره الطبيعي بالنعاس، حتى لو كان ذلك يعني تأخير وقت النوم قليلاً. كما أشارت إلى استراتيجية تُعرف باسم "تأخير وقت النوم"، حيث يسجل الوالدان الوقت الذي ينام فيه الطفل فعلياً بعد فترة الجدال والدوس بالأقدام واللوم الليلية، ثم يضعانه في السرير في ذلك الوقت. وإذا نجح الطفل في النوم، يمكن للوالدين بعد ذلك البدء بتقديم موعد النوم تدريجياً. والهدف هو أن يتعلم الطفل كيف يمكن أن يبدو وقت النوم سلساً وخالياً من التوتر.

أما شنبرغ، فتحدثت عن "ارتباطات بدء النوم"، وهي الأشياء أو الأشخاص أو الظروف التي يتعلم الأطفال الاعتماد عليها حتى يناموا. ولدى البالغين أيضاً ارتباطات مماثلة؛ إذ أوضحت: "ربما تفضلون جانباً معيناً من السرير". لكن عندما يكون ارتباط الطفل بالنوم هو وجود أحد الوالدين إلى جانبه، فسيحتاج إلى ذلك الوالد في كل مرة يستيقظ فيها خلال الليل.

ولمعالجة المشكلة، توصي شنبرغ بـ"التقليل التدريجي من الحاجة إلى وجود الوالد للنوم"، واستبدال حضور الوالد بارتباط مستقل بالنوم، مثل كتاب أو لعبة أو دفتر للرسم.

مواضيع قد تعجبك