لم تمض ساعات على توقيع «اتفاق مكة» حتى جاء الرد من طهران.
ثلاث دول وقعت اتفاقا دفاعيا، ولم تسم خصما، فجاء الاعتراض من دولة لم يرد اسمها في الاتفاق!
هذه ليست مفارقة عابرة.
السعودية وتركيا وباكستان اتفقت على أن الاعتداء المسلح على إحداها يعد اعتداء عليها جميعا. الصياغة لا تحدد دولة بعينها، ولا ترسم مسرحا لمواجهة مقبلة، ولا تمنح طرفا حق تحديد الخصم نيابة عن الأطراف الأخرى.
ومع ذلك وجدت طهران في الورقة ما يستحق الرد.
هنا تبدأ دلالة الاتفاق.
السؤال لا يتعلق بما إذا كانت إيران قد ذكرت في النص.
السؤال يتعلق بما إذا كان تغير طريقة توزيع القدرة على الدفاع سيغير حسابات من يراقبها.
السعودية تدخل الاتفاق بثقل اقتصادي وسياسي وموقع يضع أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية في قلب حساباتها. تركيا تدخل بخبرة عسكرية وصناعة دفاعية أخذت موقعا متقدما في الإقليم. باكستان تضيف خبرة عسكرية واسعة وقدرة نووية.
اختلاف هذه القدرات هو مصدر أهمية الاتفاق.
الدول الثلاث لا تحتاج إلى أن تصبح جيشا واحدا حتى تستفيد من بعضها.
يكفي أن يصبح الاعتداء على إحداها مسألة تخص اثنتين أخريين.
وهذه الفكرة سبقت «اتفاق مكة».
ففي أيلول 2025 وقعت السعودية وباكستان اتفاقا للدفاع المتبادل، يقوم على اعتبار العدوان على إحدى الدولتين عدوانا على الأخرى. دخول تركيا إلى الصيغة الجديدة وسع دائرة الالتزام، وأضاف قدرة عسكرية وصناعية وسياسية مختلفة إلى الترتيب السابق.
لذلك فإن قراءة الاتفاق باعتباره حدثا منفصلا تختصر قصته.
المسار الأهم هو انتقال التعاون من علاقات منفردة إلى التزام متعدد الأطراف.
وهذا التحول لا يحتاج إلى إعلان خصم حتى تكون له نتائج.
الردع يبدأ قبل الحرب.
عندما يعرف طرف ما أن الاعتداء على دولة واحدة قد يستدعي موقف دولتين أخريين، يصبح القرار أكثر كلفة. وقد لا يتغير القرار في كل حالة، لكن الحساب الذي يسبقه يتغير.
هذه هي الوظيفة السياسية الأهم لأي اتفاق دفاعي.
ولهذا تبدو سرعة الرد الإيراني ذات دلالة أكبر من حدته.
فطهران لم تناقش فقط قدرة الاتفاق على حماية السعودية، وإنما قرأت ما قد ينتج عنه إذا تحولت صياغته السياسية إلى تعاون عسكري فعلي.
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
أن يكون الاتفاق موجها ضد إيران يحتاج إلى دليل.
وأن تكون إيران معنية بنتائجه تفرضه طبيعة المنطقة.
الدول الموقعة تقول إن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها. وهذا موقف واضح ينبغي أخذه كما هو.
وفي الوقت نفسه، فإن اتساع التعاون الدفاعي بين دول تملك هذه القدرات يدخل في حسابات كل دولة مجاورة.
لا تناقض بين الأمرين.
فالسياسة الدولية لا تقوم فقط على ما تقوله الوثائق، وإنما أيضا على ما تضيفه الوثائق إلى حسابات القوة.
لكن الورقة وحدها لا تكفي.
الاتفاق يصبح مؤثرا عندما يتحول الالتزام إلى قدرة.
من يحدد وقوع الاعتداء؟
من يقدر حجمه؟
ما طبيعة الاستجابة؟
هل يبدأ التعاون بالمعلومات؟
هل يصل إلى الدفاع الجوي؟
هل يشمل الدعم اللوجستي؟
ومتى يصبح التدخل العسكري التزاما فعليا؟
هذه الأسئلة لم تختبرها الحرب بعد، ولذلك فإن وصف «اتفاق مكة» بأنه منظومة دفاع مكتملة سابق لأوانه، كما أن اختزاله في إعلان سياسي يقلل من دلالته.
التوقيع بداية.
القدرة هي الاختبار.
وهنا يدخل الأردن من زاوية مختلفة.
الأردن لا يحتاج إلى عضوية فورية حتى يكون معنيا بما يجري. علاقاته الدفاعية مع تركيا وباكستان قائمة، والتعاون العسكري مع أنقرة شهد توسعا في التدريب والصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، كما بحث الأردن وباكستان تطوير التعاون في الطائرات المسيرة والتقنيات الدفاعية والتدريب.
كما أن موقع الأردن وضعه خلال السنوات الأخيرة أمام اختبارات مباشرة للأمن الجوي والحدود.
لهذا فإن المصلحة الأردنية لا تبدأ من سؤال العضوية.
تبدأ من سؤال القدرة.
ما الذي يستطيع الأردن أن يضيفه إلى تعاونه القائم؟
وما الذي يستطيع أن يحصل عليه من أي ترتيبات إقليمية جديدة من دون أن يدخل في التزامات تتجاوز حاجاته وحساباته؟
الدفاع الجوي مثال واضح.
أمن الحدود مثال آخر.
المعلومات والتقنيات المضادة للطائرات المسيرة والتدريب المشترك أمثلة أكثر مباشرة.
هذه مجالات يمكن تطويرها من خلال الشراكات قبل الانتقال إلى التزامات سياسية أوسع.
والأردن ليس مضطرا إلى الاختيار بين علاقاته القائمة وشراكات المنطقة.
قوة موقعه السياسي تأتي تحديدا من قدرته على إدارة هذه الدوائر في وقت واحد.
أما مستقبل «اتفاق مكة»، فلن تحدده كثرة التصريحات حوله.
ستحدده قدرة الدول الثلاث على بناء آليات تجعل الالتزام قابلا للتنفيذ.
تركيا تحدثت عن إمكانية انضمام دول أخرى.
لكن اتساع العضوية لا يعني تلقائيا اتساع القدرة.
قد تنضم دول كثيرة إلى ورقة واحدة وتبقى القرارات منفصلة.
وقد تبقى العضوية محدودة وتتشكل بين أطرافها آليات تعاون تجعل الاتفاق أكثر تأثيرا من حجمه العددي.
المعيار هنا هو الفعل.
إذا بقي الاتفاق إطارا سياسيا، بقي أثره في حدود الرسالة.
وإذا تحول إلى معلومات مشتركة وتدريب وقدرات دفاعية وتنسيق في الأزمات، فسيتحول من ورقة إلى واقع.
عندها فقط يمكن قياس ما قرأته طهران في الساعات الأولى.
ربما لم تقرأ اسما مكتوبا في الاتفاق.
ربما قرأت احتمالا.
احتمال أن تصبح القرارات الأمنية التي كانت تخص كل دولة منفردة مرتبطة، في لحظة معينة، بحسابات دولتين أخريين.
وهذا هو جوهر الردع.
أن يعرف الطرف الذي يفكر في الخطوة أن المسألة قد لا تنتهي عند حدود الدولة التي أمامه.
«اتفاق مكة» لم يعلن حربا.
ولم يسم خصما.
لكنه جمع ثلاث دول تحت قاعدة واحدة.
والاختبار الحقيقي الذي ينتظره الاتفاق ليس عدد الدول التي ستنضم إليه.
إنه قدرته على جعل القرار الأخطر أكثر كلفة!



