خبرني - في تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، تسلط الكاتبة جون هالتوانغر الضوء على التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بخطة نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، معتبرة أن موافقة الحركة على إطار عمل مدعوم أمريكيا شكلت تطورا لافتا في مسار المفاوضات، لكنه لم يتحول إلى اختراق عملي بسبب الرفض الإسرائيلي والمخاوف المرتبطة بمستقبل غزة والترتيبات الأمنية بعد الحرب.
وترى المجلة أن نزع سلاح حماس ظل -منذ أشهر- العقبة الرئيسية أمام إحراز تقدم في عملية السلام المتعثرة، باعتباره أحد الشروط الأساسية في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المؤلفة من 20 بندا.
ولذلك أثار إعلان موافقة الحركة على إطار للتخلي عن أسلحتها اهتماما واسعا، واعتبر ترمب الاتفاق خطوة "تاريخية" نحو تحقيق السلام والأمن، قبل أن يتضح سريعا أن الموقف الإسرائيلي لا يتطابق مع هذا التقييم.
وبحسب تحليل فورين بوليسي، فإن الحكومة الإسرائيلية رفضت الخطة بسبب ما تعتبره مخاوف أمنية جوهرية، إذ أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب من مواقعها الحالية في قطاع غزة قبل ضمان نزع سلاح حماس بالكامل.
حسابات سياسية إسرائيلية داخلية
وترى المجلة أن هذا الموقف يرتبط أساسا بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، خاصة مع اقتراب الانتخابات المرتقبة التي قد تحدد مستقبل نتنياهو السياسي.
ويشير التحليل إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنى جزءا كبيرا من شرعيته السياسية على هدف تحقيق "انتصار كامل" على حماس، ولذلك فإن الموافقة على انسحاب أو تقديم تنازلات قبل الانتخابات قد تعرضه لضغوط من حلفائه داخل الائتلاف الحاكم، ومن التيارات الأكثر تشددا.
ويرى خبراء -تحدثت إليهم المجلة- أن أي حكومة إسرائيلية -سواء بقي نتنياهو في السلطة أم جاءت حكومة جديدة- ستواجه صعوبة في تقديم تنازلات كبيرة بشأن غزة في المدى القريب.
وتناولت فورين بوليسي أحد أبرز مصادر الخلاف، ويتمثل في الدور المحتمل لكل من قطر وتركيا في آلية مراقبة تنفيذ اتفاق نزع السلاح، إذ تنظر قطاعات واسعة داخل إسرائيل إلى الدولتين -حسب التحليل- على أنهما غير مقبولتين كشريكين أمنيين، مما يجعل إشراكهما في عملية التحقق من نزع السلاح نقطة حساسة تعرقل التوصل إلى صيغة نهائية.
وتوضح المجلة أن الاتفاق المقترح لا يقتصر على مسألة نزع السلاح، بل يتضمن وقف العمليات العسكرية، ووضع جدول زمني للتنفيذ، وربط العملية بانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من غزة.
كما يقترح أن تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة -وهي هيئة فلسطينية ذات طابع إداري وتقني- الإشراف على المرحلة الانتقالية، بما في ذلك إدارة ملف الأسلحة.
غموض التفاصيل التنفيذية
غير أن إسرائيل -وفق التحليل- ترى أن هذه الترتيبات لا توفر ضمانات كافية، خصوصا في ظل مخاوفها من احتمال إعادة حماس بناء قدراتها العسكرية، ولذلك تعارض فكرة تخزين الأسلحة داخل غزة تحت إشراف جهة فلسطينية، كما تعترض على إبعادها عن عملية مراقبة نزع السلاح.
وتشير فورين بوليسي إلى أن تنفيذ الاتفاق يواجه أيضا عقبات ميدانية، أبرزها عدم تمكن اللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، إضافة إلى عدم تشكيل القوة الدولية لتحقيق الاستقرار التي يُفترض أن تلعب دورا في المرحلة الانتقالية.
ورغم وجود حديث عن قبول إسرائيلي مبدئي بمشاركة قوة متعددة الجنسيات، فإن هذه القوة لا تزال غير موجودة فعليا، مما يجعل أجزاء أساسية من الخطة معلقة.
ويشير التحليل إلى أن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في مبادرة ترمب تتمثل في غموض التفاصيل التنفيذية، فالإعلان السياسي قدّم مبادئ عامة، لكنه ترك القضايا الأكثر حساسية -مثل آلية الرقابة وحدود الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الإدارة الأمنية والسياسية لغزة- دون إجابات واضحة.
ويرى بعض الخبراء أن هذا الأسلوب تكرر في مبادرات دبلوماسية سابقة ولم يؤدِّ إلى نتائج حاسمة، ورغم ذلك ترى المجلة أن موافقة حماس على مبدأ نزع السلاح تمثل تحولا سياسيا مهمًّا، حتى ولو لم تؤدِّ إلى اتفاق نهائي.
نقل الضغط إلى إسرائيل
ويعتقد بعض المحللين -وفق فورين بوليسي- أن حماس ربما استخدمت هذه الخطوة لنقل الضغط إلى إسرائيل، وإظهار أنها مستعدة للتحرك مقابل تعنت إسرائيلي محتمل.
وبذلك أصبحت الكرة -بحسب بعض التقديرات- في ملعب الحكومة الإسرائيلية لتحديد ما إن كانت ستتعامل مع المبادرة كفرصة سياسية، أم سترفضها بسبب الاعتبارات الأمنية والداخلية.
وتخلص المجلة إلى أن خطة نزع سلاح حماس لا تمثل اتفاق سلام مكتملا، بل بداية لمسار تفاوضي معقد، فهي لم تحلّ الخلافات الأساسية المتعلقة بمستقبل غزة، لكنها غيرت طبيعة النقاش من التركيز على استمرار الحرب إلى البحث في شكل المرحلة التي تليها.
ويبقى نجاح المبادرة مرتبطا بعوامل عدة، أبرزها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وقدرة الولايات المتحدة والوسطاء الدوليين على ممارسة ضغط فعلي على الأطراف، وإيجاد آلية مقبولة لضمان الأمن والإدارة في غزة.
وفي ظل استمرار الخلافات العميقة، تبدو الخطة -حسب تقييم فورين بوليسي- فرصة سياسية مهمة، لكنها لا تزال تواجه طريقا طويلا ومليئا بالعقبات قبل أن تتحول إلى واقع.



