خبرني - لم يكن صعود أدولف هتلر إلى السلطة عام 1933 حتميا، بل نتيجة سلسلة من الحسابات السياسية الخاطئة والرهانات التي ظنت أن بإمكانها احتواء الرجل واستخدامه لمصالحها.
ففي كتابه الجديد «53 يومًا»، يعيد تيموثي دبليو رايباك تفكيك الأسابيع الأولى من حكم هتلر، كاشفًا كيف استطاع خلال فترة وجيزة استغلال المؤسسات الدستورية، والسيطرة على الإعلام، وتعليق الحريات، وتوظيف الأزمات لقلب النظام الديمقراطي من الداخل.
وفي عام 1949، حذر تيودور هويس، أول رئيس لجمهورية ألمانيا الاتحادية، مواطنيه قائلًا "لا ينبغي أن نسهل على أنفسنا نسيان ما جلبته لنا حقبة هتلر".
هيوس، العضو في الحزب الوطني الألماني المؤيد للديمقراطية خلال جمهورية فايمار وهي أول جمهورية ديمقراطية نشأت في ألمانيا بين عامي 1919 و1933، كان دارسًا متعمقًا لصعود هتلر وقد نشر كتابًا بعنوان "صعود هتلر" عام 1932، حذر فيه من الخطر المحدق الذي تشكله النازية على الديمقراطية الألمانية.
قانون التمكين
ومع ذلك، وبعد عام، صوت هيوس وأربعة أعضاء آخرون من حزبه لصالح قانون التمكين، الذي منح هتلر سلطة سن القوانين بشكل منفرد حيث كانوا يأملون أن يلزم هذا القانون هتلر بالنظام القانوني القائم لكن بدلاً من ذلك، كان هذا الإجراء بمثابة حكم بالإعدام على فايمار، مرسخًا ديكتاتورية هتلر.
وفي كتابه الرائع والآسر "٥٣ يومًا"، الذي يتناول الأسابيع الأولى لهتلر كمستشار، يحلل تيموثي دبليو رايباك بدقة تفكيكه ل جمهورية فايمار وذلك وفقا لما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي الذي أشار إلى أن الكتاب يقدم تذكيراً في وقته بأن هتلر وجماعته لم يستولوا على السلطة بطريقة غير شرعية، بل كما كان النازيون أنفسهم يؤكدون، علناً عبر الوسائل الدستورية.
في غضون 53 يوماً، نفذ هتلر ما يمكن تسميته "مشروع 1933" ويؤكد رايباك أن هتلر استند إلى كتابه المثير للجدل "كفاحي" كخطة عمل لترسيخ حكمه.
وسارع هتلر إلى حظر معظم الصحافة المطبوعة والإذاعة، وتطهير الخدمة المدنية، وتعليق الحريات المدنية، وفرض تعريفات جمركية على العديد من الدول، ومهاجمة البنك المركزي، وتجريد الرايخستاغ (البرلمان الاتحادي لألمانيا في عهد جمهورية فايمار) من صلاحياته.
وكان هتلر مهووسًا بهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وبالأحداث التي وقعت في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، حين أعلنت الحكومة الألمانية الاستسلام.
وكان اليمين القومي يروج لما عُرف بـ"أسطورة الطعنة في الظهر"، التي اتهمت السياسيين الديمقراطيين واليهود بخيانة الجيش الألماني لذا اعتبر هتلر أن جمهورية فايمار كيان غير شرعي ينبغي القضاء عليه.
وبعد فشل انقلاب ميونخ عام 1923، استخلص هتلر درسًا مهمًا، وهو أن الوصول إلى السلطة يجب أن يتم عبر الوسائل القانونية وليس من خلال الانقلابات المسلحة. واعتبر لاحقًا أن فشل الانقلاب كان "أفضل ما حدث في حياته"، لأنه دفعه إلى تبني استراتيجية استخدام النظام الديمقراطي نفسه للقضاء على الديمقراطية.
ومع ذلك، لم يكن صعود هتلر حتميًا؛ فقد كان الحزب النازي يعاني تراجعًا في شعبيته خلال انتخابات عام 1932، وخسر نحو مليوني صوت بين انتخابات يوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني كما واجه أزمة مالية. إلا أن النخب المحافظة، وعلى رأسها المستشار السابق فرانتس فون بابن، اعتقدت أنها تستطيع استغلال هتلر لتحقيق مصالحها السياسية.
وبناءً على هذه الحسابات الخاطئة، أقنع بابن الرئيس بول فون هيندنبورغ بتعيين هتلر مستشارًا في يناير/كانون الثاني 1933، معتقدًا أن الوزراء المحافظين سيتمكنون من تقييده لكن هذه الخطوة كانت نقطة التحول التي مكنت هتلر من الاستيلاء الكامل على السلطة.
كان أول أهداف هتلر بعد توليه المنصب هو السيطرة على وسائل الإعلام ففي الشهر التالي أصدرت الحكومة مرسومًا طارئًا يسمح بإغلاق الصحف المعارضة وبرر هتلر هذه الإجراءات بأنها رد على "استفزازات" اليسار.
وفي الوقت نفسه، استغل هتلر إمكانات الدولة لتنظيم مهرجانات دعائية ضخمة تم بثها عبر الإذاعة وصورتها الكاميرات، مقدّمًا نفسه بوصفه المنقذ الذي سيعيد عظمة ألمانيا حيث أدرك مبكرًا أن السيطرة على الإعلام والرأي العام عنصر أساسي لترسيخ حكمه.
واستهدفت الحملة النازية كذلك الجهاز الإداري للدولة، وخاصة ولاية بروسيا التي كانت أكبر ولايات ألمانيا وأكثرها نفوذًا فأقال النظام الجديد معظم مسؤولي الشرطة واستبدلهم بأعضاء موالين للحزب النازي.
ورغم هذه الإجراءات، لم يكن موقع هتلر في الأسابيع الأولى مستقرًا بالكامل، فقد خرج في أوائل فبراير/شباط نحو مائتي ألف من أنصار الأحزاب الديمقراطية في مظاهرات دفاعًا عن الجمهورية، وكان من الممكن أن تؤدي الانتخابات المقبلة إلى إضعاف الحزب النازي إذا استمر تراجع شعبيته.
لكن الأحداث أخذت منحى مختلفًا بعد حريق مبنى (الرايخستاغ) في 27 فبراير/شباط 1933، إذ استغل هتلر الحادث لإعلان حملة واسعة ضد الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين، وشن موجة اعتقالات شملت آلاف المعارضين.
في اليوم التالي، أقنع هتلر الرئيس هيندنبورغ بإصدار "مرسوم حريق الرايخستاغ" الذي علق معظم الحقوق والحريات الأساسية، بما فيها حرية الصحافة والحق في المحاكمة القانونية.
وبعد أسابيع قليلة أنشأ أول معسكر اعتقال في داخاو، ثم أقر البرلمان قانون التمكين الذي منح الحكومة سلطة إصدار القوانين دون الرجوع إلى البرلمان وبذلك انتهت فعليًا الديمقراطية الألمانية وتحولت البلاد إلى دولة شمولية قائمة على القمع والإرهاب.
أما النخب المحافظة التي ساعدت هتلر على الوصول إلى السلطة فانتهى بها الأمر ضحية للنظام الذي أسهمت في بنائه، كما خرجت ألمانيا نفسها مدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، وفقدت أجزاء كبيرة من أراضيها وانقسمت إلى دولتين حتى إعادة توحيدها عام 1990.
ويمكن ربط هذه الدروس بالواقع المعاصر بحسب "ناشيونال إنترست" الذي أشار إلى صعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي الذي يقلل من أهمية مواجهة الإرث النازي.
أخيرا فإن الحفاظ على الديمقراطية يتطلب تذكر أخطاء الماضي، وعدم الاستهانة بالقوى التي تستغل المؤسسات الديمقراطية نفسها لتقويضها من الداخل.



