خبرني - مع تصاعد الضغوط المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية جراء إغلاق مضيق هرمز واتساع فجوة السيولة، عاد ملف استثمار أو بيع جزء من أملاك الدولة العراقية إلى واجهة النقاش.
بيع أملاد الدولة في العراق هو أحد الخيارات المطروحة لتوفير موارد سريعة تساعد الحكومة في تأمين رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه المالية العامة العراقية ضغوطاً متزايدة، بعد تراجع تدفقات الإيرادات النفطية، التي تمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد ينعكس على انتظام دفع الرواتب ويؤثر في النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وشهدت 6 محافظات عراقية، الأربعاء، موجة احتجاجات واسعة، شملت عدداً من الجامعات في كركوك والبصرة وبابل وتكريت وذي قار وواسط، احتجاجاً على تأخر صرف رواتب منتسبي وتدريسيي وزارة التعليم العالي.

وطالب المحتجون الحكومة والجهات المالية المعنية بالإسراع في إطلاق المستحقات المالية، محذرين من تداعيات استمرار التأخير على الأوضاع المعيشية للموظفين وعلى سير العمل الأكاديمي داخل الجامعات.
أزمة سيولة
تشير مصادر مقربة من الإطار التنسيقي الحاكم في البلاد، إلى أن الحكومة العراقية تنفق شهرياً نحو 8 تريليونات دينار على الرواتب فقط، إضافة إلى التزامات التقاعد والرعاية الاجتماعية، في وقت تعتمد فيه الموازنة بشكل كبير على العائدات النفطية.
وبحسب المصادر التي تحدثت لـ"العين الإخبارية"، تراجعت الإيرادات النفطية العراقية من نحو 6.8 مليار دولار في شباط 2026 إلى قرابة 2.3 مليار دولار خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران، نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة والتحديات المرتبطة بحركة التصدير.

وقالت المصادر إن "رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عرض على الإطار التنسيقي مقترحين أحدهما إما دفع الرواتب كل 45 يوماً أو استقطاع 25% من الرواتب التي يتقاضاها الموظفون كل شهر".
وأضافت المصادر أن الحكومة درست خيارات لتأمين السيولة، من بينها إعادة تنظيم توقيت صرف الرواتب، فيما حذرت أوساط نيابية واقتصادية من أن أي تأخير طويل قد يؤدي إلى آثار مباشرة على الأسواق المحلية، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من النشاط التجاري والاستهلاكي على الإنفاق الحكومي.
وتابع المصادر "أن الاطار التنسيقي طلب من الزيدي أن يطرح هذه المقترحات ومعالجة الأزمة المالية والرواتب على ائتلاف إدارة الدولة (الذي يضم جميع القيادات السياسية السنية والشيعية والكردية)، مشيرة إلى أن اجتماعاً سيعقد مساء الأربعاء في القصر الحكومي للائتلاف لمناقشة هذه الأزمة.
ثروة عقارية ضخمة
وسط هذه الظروف، برز مقترح استثمار أو بيع جزء من أصول الدولة، إذ تشير تقديرات متداولة إلى امتلاك الحكومة العراقية نحو 600 ألف عقار حكومي، بينها قرابة 1000 قصر ومنشأة تعود إلى مراحل سابقة، فيما تقدر القيمة الإجمالية لهذه الممتلكات بأكثر من 150 مليار دولار.

ويرى مؤيدو هذا الخيار أن استثمار جزء من هذه الأصول يمكن أن يوفر موارد مالية كبيرة، ويقلل من كلفة إدارة الممتلكات غير المستغلة، ويوفر متنفساً للحكومة في مواجهة أزمة السيولة.
لكن منتقدي الفكرة يحذرون من أن بيع الأصول في ظل ظروف مالية صعبة قد يؤدي إلى التفريط بممتلكات استراتيجية بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، وتحويل أزمة مالية مؤقتة إلى خسارة اقتصادية طويلة الأمد.
ويرى أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة بغداد، أحمد خلف الموسوي أن هناك فرقاً بين الخصخصة وبيع ممتلكات الدولة، مؤكداً أن الخصخصة الناجحة تقوم على إشراك القطاع الخاص في الإدارة والاستثمار مع بقاء ملكية الأصول بيد الدولة.
وقال الموسوي"، إن "بيع الأصول لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب لا يمثل إصلاحاً اقتصادياً، بل يعد حلاً مؤقتاً قد يؤدي إلى خسارة ثروات وطنية"، داعياً إلى إعادة تفعيل الممتلكات الحكومية وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية مدرة للإيرادات.
وأضاف أن ضعف الشفافية والرقابة قد يجعل بيع الأصول عرضة للتقييم غير العادل، ما يسبب خسائر مالية كبيرة، مشدداً على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من تحسين إدارة الموارد العامة، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط.
ضغوط الدين الداخلي
وتزامنت أزمة السيولة مع ارتفاع الدين العام الداخلي، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي العراقي أن الدين الداخلي تجاوز 103 تريليونات دينار حتى نهاية مايو/ أيار 2026.
وأوضح عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي رياض التميمي لـ"العين الإخبارية"، أن الاقتراض الداخلي قد يوفر حلاً مؤقتاً لتغطية الالتزامات العاجلة، لكنه لا يمكن أن يكون سياسة مستدامة، خصوصاً إذا استُخدم لتمويل النفقات التشغيلية بدلاً من المشاريع الاستثمارية.
ويؤكد أن استمرار الاعتماد على الاقتراض قد يقلل قدرة الدولة مستقبلاً على تمويل مشاريع التنمية، ويزيد من أعباء الموازنات المقبلة.
وأضاف "تواجه الحكومة العراقية معادلة صعبة بين الحاجة إلى توفير سيولة عاجلة، والحفاظ على ممتلكات عامة تمثل جزءاً من الثروة الوطنية"، مبيناً أن الخيار الأكثر استدامة لا يكمن في بيع الأصول، وإنما في تطوير نموذج لإدارتها عبر الشراكة مع القطاع الخاص، وتأجيرها أو استثمارها ضمن عقود طويلة الأمد تضمن تحقيق عوائد مستمرة مع بقاء الملكية العامة.
وأوضح التميمي أن معالجة الأزمة المالية تتطلب إجراءات أوسع تشمل "إصلاح هيكل الإنفاق العام، وتقليل النفقات غير الضرورية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، ومكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، ودعم القطاعات الإنتاجية وتقوية دور القطاع الخاص".
مخاطر اقتصادية محتملة
ولا يرتبط ملف بيع الأصول بالجانب المالي فقط، بل يحمل تداعيات سياسية واجتماعية، خصوصاً في ظل حساسية ملف ممتلكات الدولة ووجود اتهامات سابقة بشأن سوء إدارة بعض العقارات الحكومية.
وحذر الخبير الاقتصادي العراقي الدكتور ميثم الزبيدي، من أن أي برنامج لبيع أو تخصيص الأصول يحتاج إلى إطار قانوني ورقابي واضح، لمنع تحوله إلى باب جديد للهدر أو الاستحواذ غير المنظم.
وقال الزيدي، إن نجاح برنامج لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي يتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز معالجة أزمة الرواتب إلى بناء اقتصاد قادر على مواجهة الصدمات وتقليل الاعتماد على النفط.
ويرى الخبير الاقتصادي أن معالجة الأزمة المالية في العراق لا ينبغي أن تقتصر على حلول سريعة أو إجراءات مؤقتة، مثل بيع أصول الدولة أو تعديل سعر صرف الدولار، بل تتطلب رؤية إصلاحية شاملة تعالج جذور الاختلالات المالية.
وأوضح أن أي تغيير في سعر صرف الدولار يمثل قراراً حساساً، نظراً لتأثيراته المباشرة على الأسواق المحلية ومستويات الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين، مشيراً إلى أن استخدام هذه الأداة لمعالجة العجز المالي يجب أن يكون مدروساً بعناية لتجنب تحميل المواطنين أعباء إضافية.
استعادة الأموال المنهوبة
وأضاف أن من بين الخيارات المطروحة استعادة الأموال المنهوبة عبر تسويات مالية وقانونية، على غرار تجارب دولية، مؤكداً أن استرداد الأموال الموجودة خارج الدورة الاقتصادية يمكن أن يوفر مورداً مهماً للخزينة العامة، لافتاً إلى أن الفجوة ما تزال كبيرة بين حجم الأموال المتداولة في ملفات الفساد وبين ما تم استعادته فعلياً.
وأشار الخبير إلى أن ملف أملاك الدولة يمثل أحد الملفات الأكثر حساسية، مبيناً أن وجود آلاف العقارات الحكومية المتجاوز عليها أو غير المستثمرة يعكس ضعفاً في إدارة الأصول العامة، وأن معالجة هذا الملف عبر الاستعادة القانونية والاستثمار الأمثل قد تكون أكثر جدوى من بيع ممتلكات جديدة.
وأكد أن بيع أصول الدولة في ظل ظروف مالية ضاغطة قد يؤدي إلى خسارة ممتلكات استراتيجية إذا لم يخضع لضوابط صارمة تتعلق بالشفافية والتقييم العادل، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لتحويل هذه الأصول إلى مصادر دخل مستدامة بدلاً من استخدامها كحل مؤقت لسد العجز.
وشدد على أن الإصلاح المالي الحقيقي يبدأ من مراجعة هيكل الإنفاق العام، وتقليص المصروفات التشغيلية غير الضرورية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتحسين إدارة المال العام، مبيناً أن بناء الثقة بين الدولة والمواطن يتطلب إجراءات إصلاحية واضحة لا تعتمد على بيع الثروة الوطنية لمعالجة أزمات آنية.
أزمة أعمق
وبينما قد يوفر بيع جزء من الممتلكات الحكومية موارد مالية عاجلة، فإن المخاطر تكمن في أن تتحول هذه الخطوة إلى معالجة مؤقتة لأزمة أعمق، إذا لم ترافقها إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعالج جذور الاختلال المالي.
فالاختبار الحقيقي أمام الحكومة لن يكون فقط في قدرتها على دفع الرواتب، بل في قدرتها على بناء نموذج مالي يحافظ على أصول الدولة ويضمن استدامة الاقتصاد للأجيال المقبلة.



