في حي الأزهري، جنوب الخرطوم، لا تزال ندوب الحرب محفورة على جدران المنازل. ثقوب الرصاص لم تختفِ، والدمار الذي خلفته المعارك لم يتحول بعد إلى مجرد ذكرى.
لكن داخل أحد هذه المنازل، يستعد الشقيقان نزار والنذير النور لحمل حقائبهما ومغادرة المكان.
الوجهة هذه المرة ليست ملجأً ولا مدينة نزوح جديدة، وإنما ملعب لكرة القدم الخماسية في قلب العاصمة، حيث يستعد الشقيقان، إلى جانب زملائهما، للمشاركة في كأس العالم لكرة القدم لقصار القامة، المقرر تنظيمها في المغرب في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
بينما يسعى السودان الخروج من واحدة من أكثر حروبه تدميرًا، يحاول هؤلاء اللاعبون أن يفعلوا شيئًا يبدو، للوهلة الأولى، أكثر بساطة: أن يلعبوا كرة القدم.
لكن بالنسبة إليهم، لم تعد الكرة مجرد لعبة.
"أشخاص في مثل طولي"
كان نزار النور شغوفًا بكرة القدم منذ طفولته، ورغم انضمامه إلى عدة أندية محلية، فإن مهارته الكروية لم تكن كافية لتجنيبه سخرية البعض بسبب قصر قامته. لم يطلب نزار يوماًً معاملة استثنائية، بل كان حلمه بسيطاً: أن يلعب جنباًً إلى جنب مع أشخاص يشبهونه.
ويرى نزار النور أن نقطة التحول الكبرى في حياته جاءت عندما التقى بأشخاص يشبهونه في الطول، وشكلوا معاً فريقاً لكرة القدم، وأصبحوا اليوم يستعدون للمشاركة في بطولة كأس العالم.
ويتابع قائلًا: "بحب الرياضة، وطبعًا جاءتني فرصة الانضمام إلى منتخب قصار القامة لتمثيل السودان، ووافقت على هذا الأمر. وكنت سعيدًا بأن ألتقي بأشخاص يشبهونني من حيث الطول والحجم، لطالما تمنيت أن ألعب مع أشخاص في مثل حجمي، والحمد لله الذي وفقني لذلك".
الحرب التي قطعت الطريق
عندما اندلعت الحرب، وجدت عائلة "النور" نفسها، كآلاف الأسر السودانية، أمام خيار وحيد: النزوح. لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل سلسلة من التنقلات القاسية امتدت عبر ثلاث ولايات. يتذكر النذير (شقيق نزار) تلك الأيام الصعبة قائلا:
"نزحت إلى مدينة ربك ومكثت فيها نحو شهر، ثم ذهبت إلى ولاية الجزيرة، وعملت في تعبئة المواد الغذائية لتوفير المال لي ولأسرتي. وعندما تعرضت الولاية للهجوم، نزحنا مرة أخرى إلى بورتسودان، ومنها عدنا مجددًا إلى الخرطوم".
كانت كرة القدم، في تلك المرحلة، أبعد ما تكون عن أولويات الأسرة.
العمل كان ضروريًا لتوفير المال، والتنقل كان ضروريا للبقاء، والعودة إلى الخرطوم لم تكن ممكنة إلا بعد تغير الوضع العسكري.
وعندما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة، عادت الأسرة إلى منزلها.
لكن العودة لم تكن عودة إلى الحياة التي تركوها وراءهم. كانت الخرطوم نفسها قد تغيرت.
ومع ذلك، بدأ شيء آخر يتغير في حياة الشقيقين.
بعد اختياره للانضمام إلى المنتخب السوداني لقصار القامة، يرى النذير للمرة الأولى احتمالًا بأن تمنحه كرة القدم مستقبلًا أفضل.
يقول، وهو يرتدي ملابسه الرياضية:
"أصبحت الآن أكثر تفاؤلًا بعد اختياري للمنتخب، وآمل أن تتحسن أوضاعي الاقتصادية، خاصة إذا حققنا لقب البطولة".
ملعب وسط الأنقاض
رافقتُ اللاعبين إلى مقر التدريبات، وهو ملعب لكرة القدم الخماسية يقع وسط الخرطوم.
الطريق إلى الملعب يختصر شيئًا من واقع المدينة.
المنطقة المحيطة لا تزال مهجورة وخالية من السكان في أجزاء واسعة منها. المباني العالية والمؤسسات الحكومية والخاصة تحمل آثار القصف، وتنتشر بقايا المقذوفات ومخلفات المعارك، بينما تغطي الأنقاض وحطام المباني أجزاء من الطرق.
ثم يظهر الملعب.
حتى هو لم ينجُ من الحرب.
العشب الصناعي ممزق ومهترئ، والسياج الحديدي ملتوٍ في أكثر من موضع.
ومع ذلك، يبدأ التدريب.
يتجمع اللاعبون، ويتحركون في الملعب تحت أشعة الشمس الحارقة، بينما يتصبب العرق منهم بغزارة.
ويقول كابتن الفريق، شعيب محمد، إن هذا الواقع يمثل جزءًا من التحديات والصعوبات التي تواجه المنتخب، مشيرًا إلى مشكلات أخرى تتعلق بنقص الأحذية والملابس الرياضية، إلى جانب عدم وجود مقر لإقامة الفريق.
ويضيف: "التحديات تتمثل في عدم توفر الدعم المادي والفني، والأحذية والملابس الرياضية الخاصة بلاعبي قصار القامة، إضافة إلى عدم توفر وسائل الحركة".
منتخب بلا مقر ولا رواتب
تأسس المنتخب السوداني لكرة القدم لقصار القامة، وأصبح كيانًا رسميًا في عام 2020، بجهود ومبادرات من متطوعين وصحفيين رياضيين.
كان من المفترض أن تكون المشاركة في كأس العالم خطوة طبيعية في تطوره.
لكن عندما أقيمت النسخة السابقة في الأرجنتين في عام 2023، لم يتمكن من المشاركة.
السبب لم يكن غياب الرغبة أو اللاعبين.
كان نقص التمويل، ثم جاءت الحرب لتجعل المشاركة أكثر صعوبة.
هذه المرة، يريد المنتخب أن يصل إلى المغرب.
لكن حتى هذا الهدف يحتاج إلى تمويل.
يقول محمد كشة، رئيس الاتحاد، إنه يعمل بصورة تطوعية، إذ لا توجد مرتبات أو حوافز للاعبين، كما أن المنتخب لا يمتلك مقرًا ثابتًا.
ويضيف: "تمكنا حتى الآن من توفير مبلغ بسيط ندفعه للاعبين حتى يتمكنوا من الحضور إلى التدريبات، ولا شيء غير ذلك".
ويرى أن الفريق قادر على المنافسة وإحراز لقب البطولة، خاصة أنه يضم لاعبين مهرة يمتلكون خبرات كروية جيدة
ويضيف: "أعتقد أن منتخب السودان قادر على الظفر بلقب البطولة إذا وجد الدعم من الجهات الرسمية وغير الرسمية، لأنه يحتاج إلى مقر للتدريبات، وسيارة للنقل، وملابس رياضية. ولدينا معسكر إعداد داخل السودان حتى أكتوبر، وبعدها سنسافر إلى مصر لإقامة معسكر لمدة شهر قبل التوجه إلى المغرب".
ويشارك في النسخة الثانية من البطولة 24 منتخبًا، من بينها الأرجنتين حاملة اللقب، إلى جانب منتخبات عربية هي مصر والسعودية والمغرب، الدولة المضيفة.
ويأمل قائد المنتخب السوداني تقديم عروض قوية، على غرار ما قدمته بعض المنتخبات العربية والأفريقية في بطولة كأس العالم للكبار التي أسدل الستار عليها مؤخرًا.
ويقول: "طموح المنتخب السوداني هو الفوز بلقب البطولة، أو على الأقل الوصول إلى الدور نصف النهائي. وهي محاولة منا لإسعاد السودانيين الذين عانوا من ويلات الحرب".



