خبرني - عندما ألقى عبد الرحمن السيد كلمة خريجي جامعة ميشيغن عام 2007، همس الرئيس الأسبق بيل كلينتون في أذنه بأنه ليس متحدثاً بارعاً فحسب، وإنما عليه التفكير في خوض معترك العمل السياسي. واليوم الثلاثاء، وبعد نحو 20 عاماً، يسعى الأميركي من أصول مصرية الشهير بـ"عبدول السيد"، إلى كتابة التاريخ، ليصبح أول مسلم يفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، في خطوة أولى في طريقه إلى الفوز بالانتخابات العامة في نوفمبر/ تشرين الثاني، ليكون أول مسلم في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي.
ومثل ما أطاح المهاجر الأميركي من أصول هندية أوغندية زهران ممداني بواحد من أشهر السياسيين الأميركيين، أندرو كومو، وتحالفه المتمثل في أموال المليارديرات والشركات الكبرى وجماعات الضغط الداعمة لإسرائيل، يخوض عبدول هذا السباق في مواجهة النائبة الحالية في مجلس النواب هايلي ستيفنز، وأكبر إنفاق لجماعات الضغط في تاريخ الانتخابات التمهيدية الديمقراطية ضده، بأكثر من 55 مليون دولار.
ولم يكن عبدول يخطط لخوض هذا السباق، غير أن قرارات الرئيس دونالد ترامب العام الماضي بتجميد التمويل الفيدرالي لمراكز وبرامج صحية في أنحاء البلاد، وفي ميشيغن، كانت الدافع الرئيسي له لخوض هذه الانتخابات. وكان عبدول يدير وقتها قسم الصحة في مقاطعة واين بالولاية، وذكر خلال حملته كيف كان تجميد هذه الأموال وإرسال أموال ضرائب الأميركيين إلى إسرائيل لإلقاء القنابل على أطفال غزة سبباً رئيسياً في ترشحه.
وخلال حملاته الانتخابية، أظهر عالم الأوبئة الدكتور عبدول السيد شخصية مرحة تمزج بين الرقص والنكات والغناء المضحك والشرح الدقيق لبرنامجه الانتخابي، الذي يستهدف توفير الرعاية الصحية للجميع، مظهراً قدرة غير عادية على استثمار لحظة تاريخية في حياته لإحداث تغيير في المجتمع الأميركي، ما يشير إلى وجه جديد يعيد روح الدعابة إلى السياسة.
ومثل ما بنى زهران ممداني حملته على رفض الإبادة الجماعية في غزة، احتل العدوان الإسرائيلي على الأبرياء في فلسطين مساحة رئيسية في حملة عبدول، إذ ربط بين هذه الحرب وعدم قدرة الأميركيين على تحمل تكاليف المعيشة، كما طالب بمنع المال السياسي وأموال جماعة الضغط "أيباك"، داعياً إلى إصلاح النظام بالكامل.
ولد عبد الرحمن السيد البالغ من العمر 42 عاماً في ديترويت لعائلة مصرية مهاجرة، وأظهر في شبابه تفوقاً في رياضة المصارعة، وقضى فترات من طفولته برفقة عائلة والده في مصر، التي وصفها بأنها "رائعة" و"مؤلمة" في الوقت نقسه، بسبب نظامها السياسي والدور الذي لعبه الدعم العسكري الأميركي على مدى عقود في ترسيخ هذا النظام.
ويتبنى عبدول لهجة حادة للغاية تجاه حزبه، إذ يصف الصورة الذهنية للحزب الديمقراطي بأنها "هراء"، ويختلف عن الاشتراكيين في الحزب بأنه يصف نفسه بأنه "رأسمالي يريد نظاماً فعالاً"، ويرفض وصف برنامجه السياسي بالاشتراكي، إذ يقول: "أنا عالم، هدفي حل المشكلات"، مضيفاً أنه يرى أن المشكلة تكمن في أننا "لا نعيش في نظام رأسمالي حقيقي، وإنما في نظام تحتكر فيه الأقلية كل شيء".
وتخرج عبد الرحمن السيد في تخصصي الأحياء والعلوم السياسية في جامعة ميشيغن، وألقى كلمة الخريجين أمام الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 2007. وحصل على منحة رودس المرموقة، ونال الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد، ثم درجة الطب من جامعة كولومبيا بتمويل من المعاهد الوطنية للصحة، ونشر أكثر من 100 دراسة علمية محكمة ضمن سجل بحثي مثير للتقدير.
وظهرت بصمة عبدول في الخدمة العامة عام 2015، عندما عين مديراً لإدارة الصحة في ديترويت، ليصبح أصغر مسؤول صحي في تاريخ المدن الكبرى بأميركا، وأعاد بناء المنظومة الصحية للمدينة عقب إفلاسها. ولاحقاً، عام 2017، خاض الانتخابات على منصب حاكم ولاية ميشيغن، غير أنه خسرها وحل ثانياً في السباق الديمقراطي التمهيدي. ثم تولى قطاع الصحة في مقاطعة واين حتى بداية عام 2025، وساعد في إلغاء ديون طبية عن المواطنين بقيمة تقارب 700 مليون دولار، استفاد منها نحو 300 ألف من سكان الولاية. كما شارك في صياغة سياسات العمل الصحية ضمن فريق عمل الرئيس جو بايدن والمرشح الرئاسي السابق السيناتور اليساري بيرني ساندرز.
يحظى عبدول بدعم السيناتور بيرني ساندرز والنائبة التقدمية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، كما يحظى بدعم حركة الصوت اليهودي من أجل السلام التي تعارض الإبادة الجماعية في غزة، إضافة إلى منظمة عربية وديمقراطية مناهضة للإبادة الجماعية في القطاع الفلسطيني. ويتبنى أجندة تركز على الرعاية الصحية الشاملة، إذ ألف كتاباً مشتركاً حول كيفية تطبيقها، وعلى الاستثمار المحلي بدلاً من خوض حروب خارجية. وزوجته تدعى سارة، وهي طبيبة، ولديهما طفلتان.
ويدعو عبد الرحمن السيد إلى التعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة "مارقة"، مثل أي دولة تتجاهل القانون الدولي، وإلى منح جميع السكان حقوقاً متساوية، مطالباً بإنهاء سياسات الفصل العنصري والإبادة الجماعية. وسئل، في حوار مع شبكة "سي أن أن" الشهر الماضي، عما إذا كان يؤمن بحق إسرائيل في الوجود، فقال إن "هذا السؤال فخ تغذيه منظمة أيباك"، مضيفاً أن السؤال الحقيقي هو عما إذا كان من حقها الحصول على أموال دافعي الضرائب الأميركيين. وكتب السيد على منصات التواصل الاجتماعي: "هل أنتم مستعدون للسماح لمنظمة أيباك والشركات الكبرى و(زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ) تشاك شومر بالتلاعب في ديمقراطيتنا واختيار من سيكون مرشحنا الديمقراطي؟ كل هذا في إطار محاولات اختيار مرشحنا من العاصمة واشنطن أو نيويورك".



