*
الثلاثاء: 04 أغسطس 2026
  • 04 أغسطس 2026
  • 07:32
اقتصاد الخليج يدفع فواتير الحرب انكماش وتضخّم

خبرني - تُظهر التقديرات الحديثة صورة متراجعة للأداء الاقتصادي في منطقة الخليج لعام 2026، في إطار انكماش إجمالي للناتج المحلي لدول مجلس التعاون، بنسبة 2.4%، بحسب تقدير أوردته الشركة الاستشارية "أوكسفورد إيكونوميكس" في يونيو/حزيران الماضي، تحت تأثير الاضطرابات الملاحية، واستمرار أجواء الحرب، وارتفاع تكاليف التأمين، وتراجع حركة السياحة الوافدة، ما سلط الضوء على تداعيات ذلك على خطط دول الخليج ومواطنيها.
ويعود هذا التراجع بالأساس إلى هبوط إنتاج القطاع النفطي بنسبة 14.5% وتراجع الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.1%، ما يدفع الحكومات الخليجية إلى إعادة ترتيب أولويات خططها التنموية والمشاريع الكبرى وتكييف خططها عبر استخدام خطوط أنابيب بديلة ونشر تدابير حماية مالية، بما يمهّد الطريق لانتعاش اقتصادي مرتقب يصل إلى 8.1% في عام 2027 مع استقرار الممرات البحرية واكتساب الأسواق زخماً جديداً، حسبما أورد تقرير نشرته منصة إندكس بوكس (IndexBox)، المتخصصة في تحليل الأسواق والبيانات الاقتصادية العالمية، في 16 يونيو/ حزيران الماضي.
وتسببت التطورات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة البحرية الأخيرة في اضطرار دول الخليج لإعادة جدولة وتأجيل عدد من المشاريع الكبرى. وأُعلن عن تقليص النطاق المستهدف، وتأخير مراحل إنشائية رئيسية في مشروع "ذا لاين" بمدينة نيوم لتوفير السيولة، وضمان سلامة الإمدادات، وفقاً لوكالة بلومبيرغ يوم 5 إبريل/ نيسان 2026، بالتوازي مع تأجيل مراحل التوسع التشغيلي لمشروع نيوم للهيدروجين الأخضر (NGHC) إلى أواخر 2027 بسبب تعثر عقود الشحن الدولي، وفقاً لـ"رويترز" في 18 مايو/أيار 2026. وفي الوقت نفسه تعطلت الجداول الزمنية لتطوير مشاريع في الدول الخليجية الأخرى، حيث دخلت على سبيل المثال استثمارات مراكز البيانات والحوسبة السحابية مرحلة من المخاطر، بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني، في 21 يوليو/تموز الماضي، استهداف بنية تحتية تابعة لشركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) في البحرين، وجاء ذلك في وقت كانت تتسابق فيه دول الخليج على استقطاب شركات التكنولوجيا العالمية، وضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والخدمات السحابية.
كما أدت التوترات العسكرية والنزاعات المسلحة في المنطقة لتأجيل عدد من مشاريع البنية التحتية الرقمية والإقليمية المشتركة التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي الست، وعلى رأسها مشروع الكابل البحري "2Africa Pearls" التابع لشركة "ميتا" (Meta).
على صعيد المعيشة اليومية، تواجه الفئات الشعبية والوسطى في المجتمعات الخليجية ضغوطاً متزايدة بفعل الصعود المتواصل في تكاليف الإيجارات السكنية، وارتفاع فواتير الخدمات الأساسية، ما يقلّص من الدخل الحقيقي المتاح للإنفاق الأسري. وأدى تآكل القدرة الشرائية إلى دفع المستهلكين نحو تقليص الإنفاق غير الضروري وتعديل أنماط الاستهلاك الإعاشي لمواجهة كلفة السكن المرتفعة، بالتزامن مع ارتفاع التكاليف التشغيلية ورسوم البناء وزيادة الطلب على الوحدات العقارية في المراكز الحضرية، ما يحمل الأسر ذات الدخل المتوسط والذين ينتمون لشريحة المستأجرين أعباء مالية إضافية تستنزف الميزانيات الشهرية، بحسب تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني في 21 يوليو الماضي.
وتساهم حرب الممرات المائية والاضطرابات الجيوسياسية في مضيق هرمز والبحر الأحمر في فرض ضغوط سعرية مرتفعة على واردات المواد الغذائية والسلع المعيشية في عام 2026، إذ تعتمد دول مجلس التعاون بشكل كبير على استيراد معظم احتياجاتها الغذائية من الخارج.
وتتطلب حماية القدرة الشرائية المنهكة للأسر الخليجية أمام تقلبات أسعار التأمين والشحن البحري، استراتيجية شاملة تجمع بين التدابير الاجتماعية الحكومية والسياسات الادخارية الأسرية. وتتضمن الحلول الحكومية التي طرحتها دول خليجية توسيع نطاق شبكات الأمان الاجتماعي، والدعم المباشر للسلع الغذائية الرئيسية، وتحديد أسقف تنظيمية لزيادات الإيجار السكني.
ملاءة مالية تخفف حدة التأثيرات

يؤكد الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، أن تأثيرات الحرب في دول الخليج تختلف من حيث الحجم والعمق، إذ تمتلك هذه الدول ملاءة مالية جيدة تمكّنها من الصمود لفترة طويلة، ما يخفف من حدة التأثير بالفئات المتوسطة والهشة في المدى القصير، لكن إذا طالت الحرب فقط حتى نهاية العام فقد تتغير خريطة التنمية بشكل ملحوظ، بينما لو انتهت خلال الصيف الجاري فلن تظهر آثار كبيرة بالمواطنين بسبب دعم الحكومات الكهرباء والمياه والرواتب وأسعار الطاقة.
ويضيف الطوقي أن بعض المشاريع التنموية قد تتأخر لكن الحياة اليومية للمواطنين بدول الخليج لن تتأثر بشكل جذري في المرحلة الحالية من الحرب، مع وجود تباين كبير بين دول مجلس التعاون في هذا الصدد، حيث تتأثر دول مثل الكويت والبحرين وقطر بشكل أكبر بسبب اعتمادها المباشر على الإيرادات النفطية ومحدودية البدائل اللوجستية، بينما تأتي السعودية في مرتبة متوسطة من حيث التأثر نظراً لقدرتها على استخدام بدائل مثل خط أنابيب شرق-غرب.
ويلفت الطوقي إلى تغير الخريطة الاستراتيجية للسعودية قليلاً نحو زيادة الإنفاق العسكري والتسلح بسبب دخولها في مشاكل مع الحشد الشعبي في العراق وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، بينما تتأثر الإمارات، وخاصة دبي، بشكل واضح لاعتمادها الكبير على قطاع الخدمات والسياحة والفنادق والطرق، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد وحركة المواطنين يؤثر سلباً فيها، خاصة فيما يتعلق بالعمالة الأجنبية التي تعمل في المشاريع والخدمات.
وإزاء ذلك، سيحتاج التعافي في الإمارات وبعض الدول الخليجية الأخرى إلى وقت إضافي قد يمتد لعدة أشهر بعد انتهاء الحرب، حسب الطوقي، مشيراً إلى أن سرعة تعافي دول الخليج مقارنة بغيرها تعود أساساً إلى احتياطياتها المالية.
ويضرب الطوقي المثل في هذا الصدد بسلطنة عُمان، التي لم يظهر أثر واضح للحرب في اقتصادها إلا بقطاع السياحة، بينما حافظت الحكومة على استقرار الأسواق من خلال إعفاء السفن القادمة من الهند والمحمّلة بالمواد الغذائية من الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، ما منع انفلات الأسعار وارتفاع التضخم.

تفاوت درجة التأثر بين الدول

في السياق، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ"العربي الجديد"، إلى أن انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون بنسبة 2.4% يعد نتيجة طبيعية ومتوقعة للحرب الجارية، رغم تفاوت درجة التأثر بين الدول، حيث تبدو السعودية وسلطنة عمان أقل تأثراً نسبياً بسبب حجم الإنتاج الداخلي والمساحة الجغرافية والبدائل اللوجستية المتاحة لهما في عمليتي الاستيراد والتصدير.
وينجم هذا الانكماش بشكل رئيسي عن اضطرابات الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتراجع قطاع السياحة بشكل حاد في المرحلة الأخيرة، وقد تكون النسبة أكبر لو لم تتدخل الحكومات بخطة مستقبلية تركز على الأولويات قصيرة الأجل، حيث جرى تخفيض منسوب الخطط طويلة الأمد أو إيقاف بعضها لتوجيه الدعم نحو الأسر والسلع الغذائية والأمور الأساسية لضمان استمرارية الحياة بشكل طبيعي، حسب درويش.
واستخدمت بعض الدول احتياطياتها لدعم الأسر ومنع حدوث ارتفاع كبير في تكلفة المعيشة، أو تعديل جذري في نمط الحياة، في محاولة لاستيعاب الأزمة وخفض تأثيرها قدر المستطاع على الفئات الشعبية والوسطى، ورغم ذلك يتزايد الضغط المعيشي وترتفع تكاليف الإيجارات، بسبب انخفاض نسبة الشراء، وعدم رغبة المستثمرين الأجانب بالدخول للسوق في هذه المرحلة، وفق درويش، الذي نوه في الوقت ذاته بأن بعض المواطنين بدول الخليج يجدون فرصاً لشراء عقارات بخصومات كبيرة، نتيجة مغادرة بعض المقيمين المنطقة.
لكن الإيجارات تبقى مرتفعة، حسب درويش، لأن معظم المقيمين يعتمدون على وظائفهم في الشركات للاستمرار بالمنطقة، بينما تعرّض القطاع السياحي لضربة قوية أدت إلى إغلاق العديد من المؤسسات مؤقتاً تحت مسمى "التجديد" انتظاراً لاتضاح الأمور، فضلاً عن ما خلقته الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من توترات إقليمية أثرت في أسعار النفط العالمية وتكاليف نقل البضائع.
فالخليج يعاني عدم القدرة على التصدير كما كان سابقاً، مما يخفض موارده بشكل لا يستهان به، حسب تقدير درويش، الذي يرجح استمرار التصعيد وخلق تحديات جديدة تتطلب تدابير اجتماعية وسياسية، لافتاً إلى تغيير كثير من الأسر الخليجية، وخاصة متوسطة الدخل وما دونها، نمط معيشتها للتركيز على الأساسيات الغذائية واستمرارية الحياة وتجنب الكماليات والمطاعم، بانتظار انجلاء تداعيات الحرب، وحينها يمكن الانتقال لصيغة نمو مقبول، وتعديل في الموازين والتقييمات الاقتصادية، وفق تقديره.

مواضيع قد تعجبك