خبرني - أعادت أسعار الوقود المبالغ فيها في قطاع غزة إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول آليات التسعير في ظل استمرار الحصار وشح الإمدادات، بعدما كشف رئيس جمعية النقل الخاص في غزة ناهض شحيبر عن فجوة كبيرة بين أسعار الوقود الذي يصل إلى القطاع والأسعار المتداولة في إسرائيل، الأمر الذي أثار نقاشاً اقتصادياً حول العوامل التي تقف وراء هذا التفاوت وانعكاساته على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة؛ لأن الوقود يعتبر عنصراً حاكماً في تشغيل المستشفيات والمخابز ومحطات المياه ووسائل النقل، إضافة إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات. وفي ظل محدودية الكميات التي تدخل إلى القطاع، يتحول أي تغير في الأسعار أو الإمدادات إلى عامل مؤثر في مجمل النشاط الاقتصادي.
فجوة الوقود
كتب شحيبر في منشور على "فيسبوك" أن "شركة أبناء سيناء المصرية (التابعة لرجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني) تبيعنا لتر السولار بـ 33 شيكلاً، بينما يباع لتر السولار في إسرائيل بأقل من 4 شواكل، ومع الضريبة يصل إلى نحو 6 شواكل فقط، كما يُباع لتر البنزين هناك بحوالى 7 شواكل، في حين تبيعه شركة أبناء سيناء لغزة بـ 60 شيكلاُ" (الدولار = 3.05 شواكل).
وأضاف شحيبر: "كيف يُعقل أن تكون الأسعار بهذا الفارق الهائل؟ وأين موقف الدول العربية والإسلامية من هذا الواقع؟ إن أبناء غزة يستحقون المعاملة العادلة لا أن تضاعف عليهم الأعباء في ظل ما يعيشونه من ظروف قاسية".
ويعكس حديث شحيبر حجم الفجوة السعرية التي تواجهها الأسواق في غزة، إذ لا تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار الوقود مقارنة بالأسواق المجاورة وإنما تمتد إلى ما يترتب عليها من ارتفاع في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع الأساسية ويزيد الضغوط على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وتتزامن هذه التساؤلات مع استمرار تدفق الوقود بكميات محدودة لا تلبي الاحتياجات الفعلية للقطاع، الأمر الذي يجعل الأسعار أكثر حساسية لأي تغيّر في حجم الإمدادات ويحدّ من قدرة السوق على الوصول إلى حالة من الاستقرار.
وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، قال رئيس هيئة البترول في غزة، إياد الشوربجي، إنّ الوقود يوزع على المستشفيات والمخابز وغيرها من المرافق الحيوية، كما توجد كميات تجارية يجري توريدها عبر التجار وبيعها في الأسواق.
وأوضح الشوربجي أنّ احتياج قطاع غزة من الوقود يقدر بنحو 30 مليون لتر شهرياً، كان يذهب نصفها، إلى محطة توليد الكهرباء التي توقفت منذ بدء حرب الإبادة، فيما يذهب النصف الآخر إلى القطاع التجاري، وأضاف: "أما حالياً، فإنّ الكميات التي تدخل تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين لتر شهرياً فقط، أي ما يعادل نسبة تتراوح بين 3% و10% من الاحتياج الشهري، ويجري إدخالها وفق سياسة تقطيرية ويذهب أغلبها إلى القطاعات الإنسانية والصحية والخدماتية".
أزمة بنيوية في غزة
بدوره، قال المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد، إن الوقود في غزة لم يعد مجرد مدخل اقتصادي لتشغيل المركبات أو توليد الكهرباء وإنما تحول إلى أداة تحكم دقيقة في مستوى الحياة اليومية، وأصبح مؤشراً واضحاً على طبيعة الاقتصاد القسري الذي يدار تحت الحصار. وأوضح لبد لـ"العربي الجديد" أن توفر الوقود أو نقصه أصبح يحدّد قدرة مختلف القطاعات على الاستمرار بدءاً من القطاع الصحي ووصولاً إلى حركة الأسواق والإنتاج ما يجعل أزمة الوقود تتجاوز بعدها التجاري إلى أبعاد اقتصادية وإنسانية أشمل.
وأضاف: "الشهور التي أعقبت وقف إطلاق النار لم تشهد انفراجاً اقتصادياً حقيقياً وإنما استمراراً لسياسة إدارة الندرة، إذ يُسمح بدخول كميات محدودة من الوقود لا تهدف إلى إعادة النشاط الاقتصادي أو دعم التعافي وإنما إلى منع الانهيار الكامل فقط"، وأشار لبد إلى أنّ الأرقام تعكس بوضوح عمق الأزمة، فالبروتوكول الإغاثي ينص على إدخال 50 شاحنة وقود وغاز يومياً، في حين لا تسمح إسرائيل في أفضل الأحوال إلّا بدخول نحو 7 شاحنات، أي أقل من خمس الاحتياج الفعلي. وبيّن أن هذا النقص يؤدي إلى اختلال واضح بين العرض والطلب ويخلق بيئة مناسبة للاحتكار والسوق السوداء ويجعل أي انخفاض في أسعار السولار مؤقتاً وهشاً ومرتبطاً بكميات غير مستقرة.
وتنسحب آثار نقص الوقود على مختلف مفاصل الاقتصاد والخدمات، إذ تعتمد المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي والمخابز والخدمات البلدية على إمدادات مستقرة لضمان استمرار عملها، كما يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والتوزيع وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك.
في المقابل، يؤدي استمرار محدودية الكميات المتاحة إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب بما يعزّز فرص الاحتكار ويزيد نشاط السوق السوداء في وقت يفتقر فيه السوق إلى المنافسة الطبيعية القادرة على ضبط الأسعار.
وتخلص المؤشرات الاقتصادية إلى أنّ أزمة الوقود أصبحت بنيوية ترتبط بآليات التوريد وحجم الكميات المتاحة وإدارة السوق في ظل الحصار ولم تتوقف عند الأسعار المرتفعة. وبينما تثير الفجوة السعرية تساؤلات واسعة حول تكلفة الوقود وآليات تسعيره تكشف الكميات الواردة أنّ جوهر الأزمة يكمن في استمرار النقص الحاد في الإمدادات، وهو ما يجعل الوقود عاملاً حاسماً في تحديد مستوى النشاط الاقتصادي وقدرة القطاعات الحيوية على الاستمرار.



