خبرني - أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلغاء الضربة العسكرية التي كانت متوقعة ضد إيران، وإشارته إلى وجود تفاهمات تتعلق بفتح مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، موجة من التساؤلات بشأن دوافع هذا التحول المفاجئ، وهل يعكس انفراجة دبلوماسية حقيقية أم أنه مجرد تهدئة مؤقتة تمهد لاستئناف المفاوضات، وسط قراءات متباينة في واشنطن وطهران بشأن مستقبل الأزمة ومسار التفاوض بين الجانبين.
وقال مراسل الجزيرة في واشنطن ناصر الحسيني إن الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية لا تزال تلتزم الصمت عقب إعلان ترمب إلغاء الضربة، مشيرا إلى أن القرار أحدث حالة من الدهشة داخل واشنطن، مع غياب أي توضيحات رسمية بشأن أسبابه أو طبيعة التفاهمات التي سبقته.
وأضاف الحسيني أن ترمب أعلن قراره عبر منصة "تروث سوشيال" وليس خلال مؤتمر صحفي أو لقاء إعلامي، وهو الأسلوب الذي يفضله في مخاطبة الرأي العام الأمريكي، لافتا إلى أن الساعات التي أعقبت الإعلان شهدت صمتا لافتا من أعضاء الإدارة الأمريكية والكونغرس والمحللين السياسيين.
وتابع أن هذا الصمت يعكس -على ما يبدو- حالة من الذهول والمفاجأة، بعد أن كانت المؤشرات خلال اليومين الماضيين تتجه نحو تنفيذ ضربة عسكرية واسعة ضد أهداف إيرانية، تشمل منشآت للطاقة ومراكز لتحلية المياه ومنشآت نووية وأهدافا إستراتيجية أخرى.
وأشار مراسل الجزيرة إلى أن معظم التقديرات كانت ترجح دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، قبل أن يتراجع ترمب في اللحظة الأخيرة ويلغي الضربة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة داخل واشنطن بشأن دوافع هذا التحول المفاجئ.
ولفت الحسيني إلى أنه لم تصدر حتى الآن أي مواقف من الجمهوريين المؤيدين للعمل العسكري أو من معارضي الحرب، مؤكدا أن كل ما يُتداول حاليا لا يتجاوز نطاق التحليلات والتكهنات، مع غياب رواية رسمية من الإدارة الأمريكية.
وقال إن أحد التفسيرات المتداولة يشير إلى أن الجهود الدبلوماسية التي قادتها كل من قطر والسعودية وتركيا ومصر خلال الساعات الماضية ربما أسهمت في إقناع البيت الأبيض بإعطاء المسار السياسي فرصة جديدة، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى تغيير موقفه.
ماذا جرى في الساعات الأخيرة؟
وقال مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير إن الساعات الأخيرة شهدت تراجعا في حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة بعد تدخل وسطاء إقليميين، موضحا أن ما يجري حاليا ليس اتفاقا نهائيا، وإنما "استراحة محارب" لمدة 48 ساعة تهدف إلى تهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بشأن مضيق هرمز والملف النووي الإيراني.
وأضاف الدغير أن التصعيد الأخير جاء بعد تبادل الطرفين تهديدات متزايدة، بالتزامن مع اتصالات أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع عدد من نظرائه في المنطقة، مشيرا إلى أن طهران رفعت مستوى تحذيراتها إلى أعلى درجاته قبل أن يتدخل وسطاء إقليميون لاحتواء الأزمة.
وتابع أن الوساطة شملت كلا من قطر وتركيا وباكستان والسعودية، وأسفرت عن وقف مؤقت للتصعيد، لافتا إلى أن المعلومات الواردة من طهران تشير إلى عدم وجود اتفاق جديد مطروح على الطاولة، وإنما هدنة مؤقتة تمتد 48 ساعة لإعادة تهيئة مسار التفاوض.
وأوضح مدير مكتب الجزيرة في طهران أن المفاوضات الحالية تركز على مستقبل الملاحة في المضيق بعد انتهاء التفاهم المؤقت، لافتا إلى أن إيران تتمسك بمبدأ "العبور البريء" المنصوص عليه في القانون الدولي، والذي يعني أن المرور عبر المضائق يجب ألا يشكل تهديدا للدول المشاطئة.
كما قال الدغير إن طهران ترى أن مرور السفن من الجهة الجنوبية عند دخول المضيق قد يشكل تهديدا، خاصة مع وجود القوات الأمريكية، ولذلك تقترح أن تكون عمليات الدخول عبر الممر الشمالي الواقع ضمن المياه الإيرانية، مع تخصيص جزء من الممر الجنوبي -بمحاذاة سلطنة عمان- لعمليات الخروج بنسبة تقارب 20%.
وأكد أن هذا المقترح لا يزال مطروحا على طاولة المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان، مرجحا أن يشكل أساسا لأي جولة تفاوض جديدة إذا نجحت الوساطات الإقليمية في تثبيت التهدئة بعد انتهاء مهلة الـ48 ساعة.
وفي هذا السياق، رأى الباحث في الشؤون الإيرانية حسين رويوران أن العودة إلى طاولة المفاوضات تمثل نصرا لإيران مع استمرار الضغوط والتصعيد بين الجانبين.
لمن يوجه ترمب رسائله؟
وقال الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري إن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن التوصل إلى صفقة تتضمن فتح مضيق هرمز وإنهاء مخاطر البرنامج النووي الإيراني تستهدف بالدرجة الأولى الرأي العام الأمريكي، مشيرا إلى أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز اختراقا مؤقتا قد يهيئ لاستئناف المفاوضات، لكنه لا يعني انتهاء الأزمة.
وأضاف الزويري -في تحليل على شاشة الجزيرة- أن خطاب ترمب يهدف إلى إظهار نفسه أمام الداخل الأمريكي بوصفه صاحب القرار في الانتقال إلى العمل العسكري أو وقفه، وأنه القادر على فرض ما يَعُدها مطالب أمريكية على إيران.
كما قال إن الغموض لا يزال يحيط بالبرنامج النووي الإيراني بعد الضربات التي تعرض لها، مشيرا إلى أن أحدا لا يملك تقييما دقيقا لحجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، رغم أن البرنامج متوقف منذ يونيو/حزيران 2025، باستثناء المعلومات المتداولة بشأن مخزون يبلغ نحو 430 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب.
وبخصوص تصريحات ترمب عن فتح مضيق هرمز، ذكر الزويري أن النقاش الدائر حاليا يتناول ترتيبات لتقسيم المضيق إلى مناطق مختلفة، وليس مجرد إعلان عن فتحه كليا، موضحا أن تصريحات الرئيس الأمريكي تأتي في إطار مخاطبة جزء من قاعدته الشعبية أكثر من كونها تعكس اتفاقا نهائيا.
وأشار إلى أن التطورات الأخيرة أفضت إلى اختراق مؤقت أسهم في تهدئة المخاوف من موجة تصعيد جديدة، لافتا إلى أن مهلة التهدئة البالغة 48 ساعة قد تتحول إلى فرصة لتمديد المفاوضات وفتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران.
كيف يقرأ الداخل الأمريكي خطاب ترمب؟
أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت والخبير في الشؤون الأمريكية الدكتور عبد الله الشايجي، فقال إن تصريحات ترمب بشأن إيران تعكس محاولة لتفادي الظهور بمظهر المتراجع أمام الداخل الأمريكي، مشيرا إلى أن تذبذب مواقفه بين التصعيد والدعوة إلى التفاوض يواجه انتقادات متزايدة في الولايات المتحدة، في وقت قد يدفع فيه شعور إيران بتحقيق مكسب سياسي إلى تعقيد مسار المفاوضات.
وأضاف الشايجي -في تحليل للجزيرة- أن ترمب يحرص على عدم الظهور بمظهر الضعيف أو الخاضع للضغوط، وأن هذا يفسر انتقاله المتكرر بين التهديد بالتصعيد العسكري والدعوة إلى التفاوض، ووضع شروط لإنهاء الأزمة.
وأوضح أن عددا من الباحثين الأمريكيين في المدرسة الواقعية يرون أن إدارة الرئيس الأمريكي تواجه "هزيمة إستراتيجية" في التعامل مع إيران، وأن خياراتها أصبحت محدودة، مشيرا إلى أن ما صدر عن ترمب أخيرا يعزز هذا الانطباع.
كما قال إن استطلاعات رأي نشرتها شبكة "سي إن إن" أظهرت تراجع نسبة تأييد ترمب إلى ما بين 32% و35%، مضيفا أنها من أدنى نسب التأييد لرئيس أمريكي في ولايته الثانية، وأن الحزب الجمهوري يبدي قلقا من انعكاس ذلك على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.
ورأى الدكتور عبد الله الشايجي أن شريحة واسعة من الأمريكيين تشعر بالاستياء من انشغال الإدارة بالتصعيد الخارجي، بدلا من التركيز على القضايا الداخلية، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين ترى أن ترمب لم يف بما تعهد به خلال حملته الانتخابية بعدم خوض حروب جديدة والعمل على إنهاء النزاعات القائمة.
وأوضح أن نحو 70% من الأمريكيين يؤيدون إنهاء الحرب، ويرون أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تنخرط في صراع جديد لا يخدم مصالحها المباشرة.
واليوم الأحد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن "إيران ودولا أخرى في الشرق الأوسط طلبت مهلة لإتمام اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل فوري وكامل وشامل، وإنهاء التهديد النووي الإيراني".
وقالت وكالة فارس للأنباء إن وسائل الإعلام الإيرانية سخرت من تراجع الرئيس الأمريكي عن الضربة التي هدد بها، ووصفت حديثه عن طلب إيران وقف الهجوم بأنها أكاذيب لابتزاز دول الخليج.



