في كل مرحلة مفصلية من تاريخ النظام المالي العالمي كان السؤال السائد هو: من سيقود النظام القادم؟ لكن التجربة التاريخية تثبت أن هذا السؤال غالباً ما يكون مضللاً لأن التحولات الكبرى لا تنتهي عادة بانتصار طرف وإقصاء آخر بل بإعادة توزيع مراكز القوة بين مؤسسات جديدة وقديمة تتكيف مع الواقع الجديد.
واليوم يقف العالم أمام تحول مماثل. فبعد أكثر من خمسين عاماً من هيمنة نموذج المراسلة المصرفية التقليدية SWIFT لم يعد التغيير يدور حول سرعة التحويلات أو تكلفة المدفوعات وإنما حول إعادة تعريف مفهوم النقود نفسها. فلقد بدأت النقود تتحول من أداة للتبادل إلى أصل رقمي قابل للبرمجة ويمكن أن يحمل داخله شروط التنفيذ وقواعد الامتثال وآليات التسوية والمنطق التشغيلي الذي كان يُدار سابقاً خارج المعاملة المالية. وهذا التحول سيعيد صياغة العلاقة بين البنوك المركزية والبنوك التجارية وشبكات المدفوعات وأسواق رأس المال.
ومن خلال تحليل المبادرات العالمية الحالية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمشهد عام 2035.
ففي السيناريو الأول يؤشر الى إمكانية نجاح المؤسسات المالية العالمية في تحديث البنية القائمة دون استبدالها. حيث تستمر SWIFT في التحول من شبكة مراسلة إلى طبقة تنسيق عالمية للأصول المرمزة؛ بينما تتقدم مشاريع مثل Project Agorá لتوفير منصات قابلة للبرمجة تجمع بين احتياطيات البنوك المركزية وودائع البنوك التجارية المرمزة مع الحفاظ على النموذج المصرفي ثنائي المستوى. وتصبح الرمزنة جزءاً من البنية المالية التقليدية بدلاً من أن تكون بديلاً عنها ويجري دمج العقود الذكية والتسوية الذرية والتشغيل المستمر داخل الأطر التنظيمية القائمة. ويتميز هذا السيناريو بأعلى درجات الاستقرار لأنه يبني على الثقة المؤسسية القائمة ويخفض مخاطر الانتقال لكنه قد يكون أبطأ في تبني الابتكارات الجذرية. وتشير التوجهات الحالية في SWIFT وProject Agorá إلى أن هذا المسار يحظى بدعم مؤسسي واسع بين البنوك المركزية والقطاع المصرفي الدولي.
واما السيناريو الثاني: فهو تعددية الأقطاب المالية فيفترض هذا السيناريو استمرار توسع التجارة الإقليمية واستخدام العملات المحلية بما يؤدي إلى نشوء ممرات مالية متخصصة. وهنا تحتفظ SWIFT بدورها العالمي لكن إلى جانبها تنمو منصات مثل mBridge وتتوسع أنظمة مثل CIPS في خدمة أجزاء متزايدة من التجارة الإقليمية. ولا يكون الهدف استبدال النظام العالمي بل تقليل الاعتماد على قناة واحدة للتسويات. وبدلاً من وجود بنية مالية موحدة يظهر نظام متعدد الطبقات تتعايش فيه شبكات عالمية وإقليمية ويرتبط بعضها ببعض عبر التشغيل البيني والمعايير المشتركة. ويعد هذا السيناريو الأكثر اتساقاً مع الاتجاهات الجيوسياسية الحالية لأنه يسمح للدول بتنويع خياراتها دون الانفصال الكامل عن النظام المالي الدولي.
واما السيناريو الثالث: فهو اقتصاد الوكلاء والأموال القابلة للبرمجة. وهذا هو السيناريو الأكثر تحولاً لكنه أيضاً الأكثر تعقيداً. ففيه لا تصبح المعاملات المالية مجرد أوامر يصدرها الإنسان بل عمليات تنفذها برمجيات ذكية تعمل وفق تفويضات محددة. وتقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بإدارة السيولة والتفاوض على أسعار الصرف وتنفيذ المدفوعات والتحقق من الامتثال وإدارة المخاطر بصورة آنية. وتتحول العقود الذكية إلى آليات تشغيلية رئيسية في التجارة الدولية بينما تصبح النقود المرمزة قابلة للتفاعل مع البيانات والهوية الرقمية وسلاسل الإمداد. ولكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة الجهات التنظيمية على وضع أطر قانونية واضحة لمسؤولية الأنظمة الذكية وحوكمة البيانات وإدارة المخاطر السيبرانية وحماية الخصوصية لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لبناء الثقة.
ومن زاوية الحوكمة يبدو أن العامل الحاسم لن يكون التكنولوجيا ذاتها بل القدرة على بناء معايير مشتركة. فالنجاح المستقبلي لن يقاس بعدد العقد (Nodes) في دفتر الحسابات الموزعة ولا بسرعة تنفيذ المعاملة بل بقدرة النظام على تحقيق أربعة شروط في وقت واحد: الثقة والامتثال وقابلية التشغيل البيني والمرونة أمام الأزمات. وإذا ما فقد النظام أحد هذه العناصر فإن تفوقه التقني قد لا يترجم إلى انتشار عالمي.
ولهذا فإن أهم استنتاج يمكن أن تستخلصه البنوك المركزية من المشهد الحالي هو أن الاستثمار في المستقبل يبدأ ببناء منظومة مؤسسية قادرة على العمل مع أكثر من منصة وأكثر من معيار وأكثر من نموذج نقدي. فالدول التي تبني أطرها القانونية على الحياد التقني وتعتمد معايير مفتوحة وتطور قدراتها في الرمزنة والهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي ستكون أكثر قدرة على التكيف مع أي سيناريو يفرض نفسه.
إن التاريخ يعلمنا أن الثورات المالية الكبرى لا تنتصر فيها التكنولوجيا الأكثر جرأة بل المؤسسات الأكثر قدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قواعد مستقرة تحظى بالثقة. ومن المرجح أن يشهد عام 2035 نظاماً مالياً تُقاس فيه القوة بالقدرة على تصميم البنية الرقمية التي تتحرك من خلالها القيمة عبر الحدود. وعند تلك اللحظة لن تكون المنافسة بين SWIFT وBRICS أو Project Agorá مجرد منافسة بين منصات بل منافسة على كتابة القواعد التي ستحدد كيف تتحرك النقود وكيف تُبنى الثقة وكيف يُدار الاقتصاد العالمي في العصر الرقمي.



