بقلم الدكتور علاء الفروخ
رئيس جمعية الأطباء النفسيين الأردنية
لم تكن الندوة المميزة التي عقدها المركز الوطني لحقوق الإنسان نهاية الأسبوع الماضي حول الصحة النفسية ندوة عادية ، فهي أثارت مسالة في غاية الأهمية وبنفس الوقت مسكوت عنها !!
فالصحة النفسية للأطباء لم تعد ترفا
وصحة الطبيب النفسية صمام أمان لصحة المجتمع ككل ..
يدخل الطبيب إلى العيادة او غرفة العمليات مرتدياً معطفه الأبيض، يحمل سماعته او ادواته الطبية التي يراها الناس ، لكن ما لا يراه أحد هو ما يحمله في داخله؛ ساعات طويلة من السهر في المناوبات ، وقرارات مصيرية اتخذها بكل مسؤولية ، ووجوه مرضى بقيت عالقة في ذاكرته بعدما غادروا المستشفى ، وآخرون لم يستطع إنقاذ حياتهم رغم بذل كل الجهود لأن قدر الله غالب !....
يظنه الناس صلباً لا يتعب، بينما هو، قبل كل شيء، إنسان يلامس الألم كل يوم، ثم يُطلب منه أن يبتسم للمريض التالي وكأن شيئاً لم يكن!!
تلك هي المفارقة المؤلمة؛ فحارس الصحة كثيراً ما يصبح آخر من يحرس صحته او كما يقال في المثل الشعبي "باب النجار مخلع ! "
. وبين جدران المستشفيات والعيادات ، يتسلل القلق والاكتئاب والاحتراق الوظيفي إلى نفوس كثير من الأطباء بصمت، فيما تمنعهم ثقافة «التحمل» والخوف من الوصمة المهنية من الاعتراف بأنهم هم أيضاً بحاجة إلى من يصغي إليهم.
وحين ينهك الطبيب، لا يدفع الثمن وحده. فإرهاق العقل والجسد ينعكس على جودة الرعاية، وعلى القدرة على التركيز واتخاذ القرار، لتصبح صحة الطبيب جزءاً لا يتجزأ من سلامة المريض.
إن رعاية الطبيب ليست شأناً شخصياً، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تمس المجتمع بأسره.
لهذا، فإن حماية الصحة النفسية للأطباء تبدأ ببناء بيئة عمل أكثر إنسانية؛ ساعات عمل عادلة، وخدمات دعم نفسي سرية، وقيادات تدرك أن طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل شجاعة ومسؤولية، وثقافة تؤمن بأن من ينقذ الأرواح يستحق هو أيضاً من يحمي روحه.
في النهاية، لا تُقاس قوة الأنظمة الصحية بعدد أسرتها أو أجهزتها، بل بقدرتها على صون الإنسان الذي يقف في الصف الأول. فالطبيب الذي يجد من يعتني به، سيظل قادراً على أن يعتني بالآخرين. ومن يحفظ قلب الطبيب، يحفظ نبض مجتمعٍ بأكمله...



