هناك كلمات لا تستحق الرد، لأنها تسقط تحت ثقل التاريخ قبل أن تسقط أمام المنطق. وهناك تصريحات لا تجرح امرأة بعينها، بل تحاول أن تنال من كرامة أمهاتنا وجداتنا وبناتنا، ومن ذاكرة وطنٍ !!
أكتب اليوم من أجل الوطن...
ليس أخطر على المجتمعات من الكلمات التي تحاول أن تهدم ما بناه التاريخ، ولا أشد ألمًا من خطاب يسعى إلى الانتقاص من المرأة، وكأن كرامتها محل مزايدة أو مادة لإثارة الجدل. فحين تُهان المرأة، لا تُهان امرأة بعينها، بل تُمس كرامة الأمهات والجدات والبنات، ويُساء إلى ذاكرة وطن قامت أركانه على شراكة حقيقية بين الرجل والمرأة، وعلى الاحترام المتبادل الذي شكّل أساس الأسرة والعشيرة والمجتمع.
من يظن أن التقليل من المرأة يمنحه قوة، فهو لا يعرف الأردن، ولا يعرف تاريخ أهله. فالمرأة الأردنية لم تكن يومًا عنصرًا هامشيًا في هذا الوطن، ولم تكن ظلًا للرجل أو تابعًا له، بل كانت شريكته في تحمل المسؤولية وصناعة الحياة. لم تنتظر تصفيقًا، ولم تطلب شهادة من أحد، لأن حياتها كانت الشهادة، وعطاؤها كان البرهان، وتاريخها هو الرد الأقوى على كل من يحاول الانتقاص من مكانتها.
في البادية الأردنية، حيث كانت الحياة امتحانًا يوميًا في الصبر والجلد، لم تكن المرأة مجرد ربة بيت، بل كانت عماد البيت كله. كانت تحفظ الأسرة في غياب الرجال، وتدير شؤون المعيشة، وترعى الأطفال، وتعتني بالمواشي، وتشارك في الأعمال الشاقة، وتحمي ما أُوكل إليها بأمانة لا تتزعزع. كانت تتحمل من المسؤوليات ما يعجز عنه كثيرون اليوم، وتؤدي واجبها بعزة وكبرياء، دون ضجيج أو ادعاء. تلك المرأة لم تكن هامشًا في حياة الرجل، بل كانت عمود الخيمة الذي إذا مال، اختل كل ما حوله.
وفي المجتمع العشائري، لم تكن المرأة بعيدة عن الحكمة أو التأثير. كانت كلمتها تُحترم، ومشورتها تُطلب، ورأيها يُؤخذ في القضايا المصيرية وشؤون الأسرة والصلح والإصلاح، لأن الرجال الذين صنعوا تاريخ هذا الوطن كانوا يدركون أن الحكمة لا تُقاس بجنس صاحبها، بل بصدق رأيه ورجاحة عقله. كم من خلاف انتهى بحكمة امرأة، وكم من بيت بقي متماسكًا بصبر أم، وكم من قرار استقام بمشورة زوجة أو جدة كانت ترى ببصيرتها ما غاب عن الآخرين.
وعلى امتداد تاريخ الأردن، كانت المرأة حاضرة في كل ميدان. ربّت أجيالًا حملت راية الوطن، وأسهمت في التعليم والطب والعمل والإنتاج، ووقفت إلى جانب أسرتها في سنوات الرخاء والشدة، وحملت هموم البيت والوطن معًا. لم تُمنح مكانتها مجاملة، ولم تفرض احترامها بالشعارات، بل صنعته بالتضحية والعمل والوفاء.
أما الذين يبحثون عن البطولة في الإساءة إلى المرأة، فإنهم لا يهينونها بقدر ما يكشفون ضحالة خطابهم. فالعاجز عن صناعة فكرة محترمة يلجأ إلى صناعة ضجة، والعاجز عن كسب الاحترام يحاول أن يلفت الأنظار بالإساءة. لكن الإهانة لا تصنع قيمة، والانتقاص لا يرفع شأن صاحبه، بل يكشف فقرًا في الفكر وعجزًا عن فهم المجتمع الذي يتحدث باسمه.
المرأة الأردنية لا تحتاج إلى من يمنحها القوة، لأن قوتها ليست هبة من أحد، ولا لقبًا يُمنح أو يُسحب. قوتها كُتبت في تاريخ هذا الوطن، وفي وجوه الأمهات اللواتي ربين الرجال، وفي أيادي النساء اللواتي حفظن البيوت، وفي صبر الزوجات، وحكمة الجدات، وعزيمة البدويات اللواتي واجهن قسوة الحياة بثبات يندر مثيله. هذه القوة لم تصنعها التصريحات، ولن تهزها التصريحات.
سيبقى كل كلام عابر أقل وزنًا من يد أم صنعت إنسانًا، وأقل أثرًا من صبر امرأة حفظت أسرة، وأقل قيمة من حكمة امرأة كانت سندًا لعشيرتها ومجتمعها. فالتاريخ لا يكتبه أصحاب التصريحات المثيرة، بل يكتبه أصحاب المواقف والتضحيات. والمرأة الأردنية كانت، وما زالت، وستبقى أحد أعمدة هذا الوطن الراسخة، لأن من ربّى الرجال لا يُهان، ومن حفظ العشيرة لا يُنتقص منه، ومن شارك في بناء الوطن لا يمكن أن تنال من مكانته كلمات عابرة أو خطابات تبحث عن الجدل على حساب الكرامة.



