كتب عبدالسلام الطراونة:
ليس هذا رقمًا عابرًا يمكن المرور عليه وكأنه مجرد خبر في شريط الأخبار، بل حدث استثنائي يفرض على كل متابع أن يتوقف ويسأل: هل يمكن أن يحدث ذلك بصورة عفوية؟
فالحديث هنا ليس عن عشرات الأشخاص أو مئات العائلات، بل عن عشرات الآلاف الذين تحركوا في توقيت واحد، واتجهوا إلى وجهة واحدة، وتحولوا خلال ساعات إلى القضية الأولى في الإعلام الأوروبي.
في مثل هذه الوقائع، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من أين جاء هؤلاء؟ بل: من الذي سمح بأن يجتمعوا؟ ومن الذي ترك الحدود مفتوحة أمام هذا التدفق؟ ومن الذي كان يعلم أن المشهد سيصنع صدمة سياسية وإعلامية داخل أوروبا؟
فالهجرة، في عالم السياسة، لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت إحدى أدوات الضغط الجيوسياسي. وقد شهد العالم مرارًا كيف استُخدمت الحدود والمهاجرون واللاجئون للتأثير في قرارات الحكومات، وإعادة رسم أولوياتها، وفرض وقائع جديدة عليها.
لذلك، فإن الاعتقاد بأن حدثًا بهذا الحجم وقع دون قدر من التسهيل أو التغاضي الرسمي يبدو بعيدًا عن المنطق. فتنظيم حركة بهذا الاتساع يحتاج إلى بيئة تسمح، وإجراءات لا تعيق، وأجهزة لا تمنع، وإعلام يحول المشهد إلى أزمة تتجاوز حدود الدولة المعنية لتصبح قضية أوروبية بامتياز.
لكن يبقى السؤال الأهم: لماذا الآن؟
في السياسة، التوقيت ليس تفصيلًا، بل جزء من الرسالة. وعندما يتزامن حدث بهذا الحجم مع مرحلة حساسة تشهد فيها إسبانيا مواقف خارجية لافتة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت أزمة الهجرة قد استُخدمت كورقة ضغط سياسي، سواء من قبل أطراف إقليمية، أو من قبل قوى رأت في هذه الأزمة فرصة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالمهاجرين أنفسهم.
لا يعني ذلك الجزم بمن يقف وراء المشهد، ولا توجيه الاتهام إلى جهة بعينها دون دليل. لكنه يعني أن قراءة الأحداث لا تكون بمعزل عن نتائجها، ولا عن هوية المستفيد منها، ولا عن السياق الذي وُلدت فيه.
ففي عالم السياسة، قد تكون الجيوش أقل تأثيرًا من موجة هجرة، وقد تعجز الدبابات عن تحقيق ما تحققه الحدود المفتوحة ليوم واحد.
ولهذا، فإن أخطر ما في هذه الأزمة ليس عدد المهاجرين، بل احتمال أن يكون الإنسان الفقير قد تحول مرة أخرى إلى أداة في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل؛ يُدفع إلى الحدود باسم الحاجة، بينما تُدار في الخلفية حسابات السياسة والنفوذ والمصالح.



