خبرني - ما بين مؤتمري يالطا (Yalta) وبوتسدام (Potsdam) أواخر الحرب العالمية الثانية، ظهرت خلافات حادة صلب معسكر الحلفاء ما بين الاتحاد السوفيتي من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة ثانية.
ففي تلك الفترة، تعقد الوضع بين الحلفاء بسبب مسألة مستقبل أوروبا الشرقية وألمانيا ما بعد الحرب والحدود والتعويضات. وانطوت هذه الخلافات حينها على بذور الحرب الباردة التي سرعان ما ظهرت للعلن عقب نهاية الحرب خاصة مع ظهور معسكر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي وآخر غربي تزعمته أميركا.
فيما لعب الجواسيس، خلال الحرب الباردة، دوراً هاماً في تأجيج الصراع بسبب المعلومات التي نقلوها. وضمن هؤلاء، برز اسم ديمتري بولياكوف (Dmitri Polyakov) الذي لقب بأهم جاسوس بتاريخ وكالة المخابرات المركزية الأميركية.
المسيرة الدراسية
درس ديمتري بولياكوف، المولود يوم 6 يوليو (تموز) 1921 بأوكرانيا، في مدرسة سومي (Sumy) للمدفعية التي تخرج فيها عام 1941 قبل أن يلتحق بالجيش الأحمر السوفيتي برتبة ملازم. وخلال الحرب العالمية الثانية، برز بفضل شجاعته على ساحات المعارك ونال العديد من الأوسمة.
غير أنه مع نهاية الحرب، عاد بولياكوف مجدداً لمقاعد الدراسة وتخصص بمجال المخابرات والمعلومات العسكرية الخارجية والتحق في الآن ذاته بمديرية المخابرات الرئيسية السوفيتية. وفي أولى مهامه لصالح الاتحاد السوفيتي، تواجد رفقة بعثة سوفيتية بالأمم المتحدة ما بين عامي 1951 و1956. وهنالك، أشرف على شبكة جواسيس وتولى نقل المعلومات لموسكو. ثم عمل في السنوات التالية، بمناطق أخرى مثل ميانمار والهند.
عميل مزدوج
أثناء فترة تعيينه الثانية بنيويورك ما بين عامي 1959 و1961، فتح بولياكوف قنوات اتصال مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية عارضاً عليهم خدماته كعميل مزدوج. وحينها، وصف نفسه كقومي روسي مؤكداً على كرهه الشديد للحزب الشيوعي السوفيتي والفساد الموجود صلبه.
من جهة ثانية، شكك كثيرون في الدوافع الحقيقة وراء قرار بولياكوف. فبينما تحدث البعض عن شعوره بالقرف من تصرفات القيادة السوفيتية في الحرب العالمية الثانية، تحدث آخرون عن أمر عائلي مؤكدين على رفض المسؤولين السوفيت السماح له بنقل ابنه المصاب بشلل الأطفال إلى مستشفى بنيويورك لتلقي العلاج الملائم. ومع وفاة ابنه، تحمل بكره شديد تجاه الاتحاد السوفيتي.
معلومات دقيقة
أثناء عمله كعميل مزدوج، نقل بولياكوف معلومات في غاية الحساسية للأميركيين، حيث قدم لهم أسماء العملاء السوفيت وشبكات جواسيس موسكو العاملة على الأراضي الأميركية وبمناطق أخرى بالعالم. وحسب التقارير، أسهمت معلوماته في كشف نحو ألف جاسوس سوفيتي عملوا بمختلف بقاع العالم.
كما نقل معلومات حول الأولويات العسكرية للاتحاد السوفيتي والأسلحة الغربية التي سعت موسكو للحصول عليها.
من جهة ثانية، قدم هذا العميل المزدوج معلومات حساسة حول توجهات الإدارة السوفيتية وطموحاتها بفيتنام. وبالخلاف السوفيتي الصيني الذي ظهر عقب وفاة ستالين، قدم معلومات دقيقة حول مدى الأزمة والقطيعة بين موسكو وبكين.
إلا أن واشنطن تيقنت، بفضل هذه المعلومات الدقيقة، من شدة الخلاف بين الطرفين واتجهت للتقرب من الصين، أملاً في عزل الاتحاد السوفيتي بشكل أكبر على الصعيد الدولي. وبسبب معلومات بولياكوف، تطورت ونمت العلاقات الأميركية الصينية طيلة العقود التالية.
اعتقال واختفاء وإعدام
رغم حصوله على التقاعد، اعتقل بولياكوف سنة 1986 من قبل مسؤولي المخابرات السوفيتية الذين حصلوا على معلومات من عملاء أميركيين حول طبيعة عمله بالعقود السابقة.
وطيلة العامين التاليين، انقطعت أخباره بشكل كامل دون أن يعثر له على أي أثر. لكن بحلول سنة 1988، صدر بحقه حكم بالإعدام تم تنفيذه يوم 15 مارس (آذار) من العام نفسه.
بينما وصف، خلال السنوات التالية، بأعظم جاسوس بتاريخ وكالة المخابرات المركزية الأميركية، كما أكد كثيرون على دور المعلومات التي قدمها في إنهاك الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة.



